الاثنين، 15 مايو، 2006

أغاني البنات الإسلامية .. ما لها وما عليها؟

إعداد: أمل خيري...........
يجتاح العالم الإسلامي الآن طوفان من الأغاني الهابطة والفن المتجرد من القيم والبعيد عن الضوابط الإسلامية ومع انتشار أغاني الفيديو كليب وشرائط الكاسيت التي تحمل الأغاني ذات الإيقاع السريع والموسيقى الصاخبة لم يقف الفن الإسلامي مكتوفًا أمام هذا الطوفان الهائل من الإباحية فكانت فكرة النشيد الإسلامي والتي تطورت بصورةٍ كبيرة منذ بداية الصحوة الإسلامية في السبعينيات، وظل الفرح الإسلامي بمظهره الطيب فكرة دعوية هادفة، وكان وما يزال غناء الأخوات بصفة عامة وفرق البنات الإسلامية بصفة خاصة، من الموضوعات التي أثارت جدلاً شديدًا خاصةً مع التحول في مفاهيم الأخوات حول فكرة النشيد الإسلامي، ومن هنا يأتي كتاب (أغاني البنات الإسلامية بين الواقع والمأمول) للكاتبة الصحفية وفاء سعداوي ليلقي الضوء على تطور أغاني البنات الإسلامية وقضية تركيب كلمات الأغاني على ألحان الأغاني الشائعة غير الإسلامية.

الجذور التاريخية

لمعرفة خلفيات المشهد نعود إلى فترة الأربعينيات حيث كانت الأخوات تدربن البنات الصغيرات- اللاتي لا تتعدى أعمارهن عشر سنوات- على إلقاءِ الأناشيد الإسلامية في الأفراح التي كانت تقام في البيوت مع الفصل بين الرجال والنساء وفي جمعية أنصار الحاج التي كانت ترأسها الحاجة زينب الغزالي كانت تقام الاحتفاليات للحاجات قبل سفرهن وبعد العودة تتضمن العديد من الأناشيد الإسلامية والاسكتشات التي كانت تؤديها البنات الصغيرات.

ومع تفجر أزمة الإخوان في عهد عبد الناصر توقفت تلك الأنشطة لتعاود الظهور مرةً أخرى منذ بداية الصحوة الإسلامية في السبعينيات من القرن الماضي.

حيث كانت الأخوات في أوائل السبعينيات يكتفين بإلقاء الشعر أو الزجل إلى جانب مسابقة وكلمة وعظ تتناسب مع روح الفرح، وتلقى قبولاً واستجابةً من المدعواتِ في أفراحهن الخاصة.

وسيلة دعوية
وسرعان ما تطور الأمر ليتحول إلى فكرة دعوية على يد طالبات الجامعة اللاتي كن يقتصرن على الإنشاد المصحوب بالتصفيق لإدخال السرور على قلب صديقتهن العروس، وبنية الدعوة للمدعوات في ذلك العرس؛ حيث كُنَّ يلبين الدعوة بدون أجر ثم تطور الأمر ليتحول إلى فرقة إسلامية مدربة على الأناشيد والاسكتشات مصحوبة بدقات الدفوف مما كان يُثير إعجاب الحاضرات بالفرح الإسلامي فبدأت الطلبات تنهال من المدعوات عليهن لإحياء أفراح أخرى وبالفعل تكونت أول فرقة بأجر تابعة لجامعة القاهرة في أوائل التسعينيات.

والحقيقة أنَّ هذه الأفراح كانت تقدم مثالاً راقيًا للفن الراقي والذي لاقى قبولاً لدى الملتزمات وأيضًا غير الملتزمات وبحلول منتصف التسعينيات زادت الفرق، وانتشرت في الأحياء المختلفة.

زي البنات

إلا أن هذه الفرق مع تطورها انتهجت نهجًا جديدًا باستعمال الآلات الموسيقية كالأورج، وكانت فرقة سندس أول فرقة إسلامية تقدم الاستعراضات، وترتدي عضواتها زيًّا موحدًا، وتوسعت فلم تعد أنشطتها تقتصر على إحياء الأفراح بل تعدت ذلك لحفلات الحجاب والنجاح والخطوبة والحنة والعقيقة.


ومن هنا برزت مشكلة كيفية تنوع فقرات الحفل بحيث لا تكرر الفرقة نفسها مع قلة عدد الأناشيد الإسلامية فلجأت الفرقة إلى إعادة استخدام الألحان القديمة مع تركيب الكلمات عليها فصدر أول شريط إسلامي للغناء بصوت البنات وهو شريط "زي البنات".

أخوات نيو لوك
ومع الوقت نال هذا التطور زي الأخوات في الأفراح حيث تقوم عضوات الفرقة بخلع الحجاب ووضع المساحيق والغناء في الميكروفون مع استعمال الشموع والأطواق، وهنا برزت بعض المحاذير فالبعض يغني في حضور العريس باعتبار أنَّ صوت النساء الجماعي ليس بعورة والبعض يوزع بطاقات للتعريف بالفرقة تحمل صورة صاحبة الفرقة، بل وأصبح الفرح يمتد لمنتصف الليل لتعود البنات مع سائق أجنبي، إضافةً إلى قيام البنات بالرقص في الأفراح.

بالطبع كل هذه المسائل أثارت جدلاً واسع النطاق حول مدى موافقتها للشرع، وتباينت الآراء تباينًا شديد بين مؤيد لتقاضي الأجر لتغطية نفقات الملابس والآلات والانتقالات إلى مَن يرفض هذه الفكرة باعتبارها تتعارض مع الهدف الأساسي لإنشاء الفرقة، وهو الدعوة إلى الله وكذلك اختلفت الآراء بالنسبة لاستعمال الآلات الموسيقية فمَن الاقتصار على الدف إلى تأييد استعمال الأورج، أما زي الفرقة فقد لاقى الجدل الأكبر فمع انتشار التصوير بالفيديو داخل قاعات النساء وكذلك كاميرا الموبايل بات من الضروري على عضواتِ الفرقة الالتزام بالزي الشرعي.

تطور الكلمات
وبإلقاء نظرة على تطور كلمات الأغاني والأناشيد الإسلامية نجد أن الأخوات في فترة السبعينيات كن يخترن الأناشيد الدينية من كتب الأناشيد التي يؤلفها شعراء الإخوان مثل كتاب "أغاني الأفراح الإسلامية" و"أغاني الأخوات".

وقد كانت هذه الكتب تحمل في مقدمتها ضوابط شرعية للغناء، حيث كان يرى في ذلك الوقت أن الغناء لا يكون إلا في إحدى المناسبات التي حددها الشرع وهي الأفراح والأعياد، وألا تصحبه المعازف وألا يتخذ حرفة؛ لأنه من "المنافع المحرمة".

ديسكو إسلامي
واستمرَّ الحال حتى أواخر الثمانينيات، إلا أنه مع انجذاب جمهور أكبر لأغاني الأخوات واتساع نطاق غنائهن، كما أسلفنا بدأن في تركيب الكلمات الإسلامية على ألحان الأغاني غير الإسلامية سواء أكانت هذه الأغاني "فلكلور" تراثي شعبي أو جديدة معاصرة أو وطنية حماسية أو لاهية راقصة سواء للكبار أو للأطفال؛ حتى إنَّ بعضَ الرافضين لذلك التحول أسموه بـ"ديسكو إسلامي".

ومن صور هذا الاقتباس ما تستهل به الفرقة فقرات الفرح بأغنية "اتمختري يا حلوة يا زينة" أو أغنية الدور الدور من مسرحية (ريا وسكينة) أو أغنية "أمورتي الحلوة" لصباح، ومن الأغاني التراثية وعلى نفس لحن "دقوا المزاهر" مع تعديل في بعض الكلمات لتصبح "دقوا الدفوف"، بل إن فرقة سندس في شريطها "زي البنات" قد ركبت الكلمات على أغنية "زي البنات" التي غنتها نادية لطفي في فيلم بين القصرين، وكذلك طال هذا التركيب أغاني "يا رموش العين" لشادية و"جابلك إيه يا صبية" لعايدة الشاعر، و"حماتي يا نينا " لليلى نظمي.

بل إنَّ هذه الفرق قد غالت في تركيب الكلمات على ألحان أحدث الأغاني لمشاهير المطربين كأغنية "ياللا يا أصحاب" لمنى عبد الغني و"ليلة يا ليلة" لهشام عباس و"العالم الله" و"راجعين" لعمرو دياب و"الحب الحقيقي" لمحمد فؤاد و"آه يا ليل" لشيرين.

بل إنه مما يلفت النظر تركيب أغانٍ تحث على الجهاد والطاعة على ألحانٍ صاخبة راقصة مثل أغنية "قوم أقف وإنت بتكلمني" لبهاء سلطان.

وقد امتدت هذه الموضة أيضًا إلى أغاني الأطفال، فعلى لحن أغنية "ماما زمانها جاية" تم تركيب كلمات أغنية "شمسك يا قدسنا"، وكذلك الأمر بالنسبة لأغاني "ذهب الليل" و"بابا أوبح" و"آلو" التي انتشرت بين الأطفالِ في الآونة الأخيرة.

هل هو إفلاس؟
وهنا برز الجدل حول خصوصية وسمات الإبداع الإسلامي في الغناء والفن بين مؤيدٍ لأسلوب التركيب ومعارض له.

فهناك مَن ينادي بخصوصية الإنشاد الديني والأغاني الإسلامية، وبالتالي يتهم مَن يتعامل مع هذا النوع من الغناءِ بالإفراط في التقليد لدرجة أصبح معها صعوبة في تميزها عن غيرها.

بينما يرى البعض الآخر أنه لا مانعَ من وجود هذه الأشكال، بشرط أن تكون مركبة على ألحان أغانٍ بسمتٍ عربي شرقي وأن يكون اللحن تراثيًّا أي حق ملكيته الفكرية عام وأن يحمل اللحن في نفوس الناس معانيَ طيبةً راقية.

بينما يرفض البعض هذا الاتجاه ويعتبره من قبيل السرقة، ويرى هذا الفريق ضرورة تأليف كلمات وألحان خاصة بهذا الفن الإسلامي الراقي، وترى البعض من الداعياتِ أنَّ هذا اللون من الأغاني الإسلامية يترك لدى الناس انطباعًا سيئًا عن الفرح الإسلامي؛ لأنهم يرون عددًا كبيرًا من الملتزمات، ويسمعون أغاني اعتادوا سماعها في أفراح غير إسلامية، وغالبًا ما تعتمد الألحان الراقصة على الحركة أكثر من الكلمة.

وتتباين كذلك آراء فرق البنات فهناك من تؤيد أسلوب التركيب باعتبار أن استبدال الكلمات في اللحن الشائع بكلمات إسلامية تحث على الطاعة وبناء بيت مسلم من العوامل التي تجذب الحاضرات اللاتي غالبًا يكن غير معتادات على الفرح الإسلامي فسماعهن لنفس اللحن الذي اعتدن عليه يثير انتباههن وهو ما يدخل السرور على قلوبهن.

أسلمة اللحن
بينما ترى بعض الفرق أن أسلوب التركيب هذا يعبر عن الإفلاس، مفندين حجج مَن يدعي أن اتباع هذا الأسلوب يزيد من الاقترابِ من الناس بأن النزول إلى رغباتِ الناس لا ينبغي أن يؤدي إلى ارتكاب مخالفات شرعية.

وتقف بعض الفرق موقفًا وسطًا حيث هناك مَن يُقسِّم الأفراح إلى ثلاثة مستويات:
المستوى الشعبي: وفيه تكون المدعوات نساء يستحيل إقناعهن إلا بالأغاني الشعبية المعروفة، وهنا تقدم الفرقة هذه الأغاني بشرط ألا تكون مبتذلة.
المستوى الثاني: مَن يتقبلن الفرح الإسلامي.
المستوى الثالث: يرفضن الفرح الإسلامي، وسماع الأغاني الإسلامية فيه.
وبالتالي تقوم الفرقة بالغناء في كل فرح حسب ظروفه.

والبعض يلجأ لأسلوب التركيب من قبيل التيسير والسرعة بدلاً من تضييع الوقت في وضع الألحان ولا يجدن غضاضةً في ذلك طالما تمَّ تغيير الكلمات، وبالتالي ما يُطلقون عليه "أسلمة اللحن".

على مستوى النقد الفني أيضًا هناك مَن يعتبر أن أسلوب التركيب يُمثِّل انحدارًا في مستوى الأغنية الإسلامية ومستواها، فاللحن غير الإسلامي وركاكة الكلمات جعلت من الأغنية مسخًا مشوهًا لا هي أرضت المسلمين ولا غيرهم.

ويرون أن المسلم عليه أن يعتزَّ بدينه وبثقافته الإسلامية، وبالتالي فإنَّ انتشار هذا اللون من الإنشادِ تعبيرٌ عن ضعف عام في التربية ومستوى التدين في التيار الإسلامي.

ويرى البعض أن هذا اللون هو من قبيل الإفلاس في القدرة الفنية والتي ما هي إلا امتداد للإفلاس الفني على مستوى العالم العربي بصفة عامة؛ حيث إنَّ 80% من أغاني بعض المغنيين غير الملتزمين مأخوذة من ألحانٍ غربية.

ويرى هذا الفريق أن هذا الإفلاس ليس له ما يبرره خاصةً أنه يصدر من فئة المفترض أن لديها مرجعية ودعوة وهدف بغرض إحياء الأمة؛ لذ ينبغي التعاون بين المجموعات الفنية الإسلامية والاستفادة من قدرات ومواهب المغنين والملحنين الملتزمين.

المستقبل المأمول
وإذا سلمنا بأن انتشار أغاني البنات الإسلامية عبر الفرق والشرائط حاجة فرضها الواقع، وأن الاتجاه أصبح لونًا فنيًّا دعويًّا فلا بد أن نبحث عن كيفية الوصول بهذا اللون إلى التميز والمنافسة في السوق على المستوى المحلي والعالمي.

ويرى البعض أنه لا بد من وضع إستراتيجية فيما يتعلق بالفن الإسلامي مبنية على أساس أنه أسلوب دعوي ولون فني، فكونه دعويًّا يتطلب أن تُوضع له الضوابط التي تُحافظ على سمته الإسلامي، أما كونه لونًا فنيًّا فيتطلب الأخذ بأسبابِ النجاح والتميز وفقًا للمعايير الفنية، ومنها سلوك طريقة العلم وصولاً للاحترافِ والمهنية.

الرؤية الشرعية
ولا تنتهي الكاتبة من تناول هذه القضية دون أن تستعرض الحكم الشرعي حولها.
فالدكتور محمد المختار المهدي الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر لا يرى بأسًا من تقاضي هذه الفرق أجرًا طالما أنهم تخصصوا في إدخالِ السرور على قلوبِ الناس مع الالتزامِ بالضوابط الشرعية كحدودِ الزي بين النساء والذي حددته الآية الكريمة في كلمة ﴿أو نسائهن﴾؛ حيث أضيفت كلمة نساء إلى المسلمات واللاتي يُفترض فيهن الأمانة أما مع الاختلاط بغير المؤمنات فلا تأمن الأخت على نفسها أن تنقل النساء ما ترينه إلى أزواجهن.

لذلك يضع الدكتور مختار شروطًا لعمل هذه الفرق تتمثل في:
1. أن ترتدي بنات الفرقة زيًّا محتشمًا أمام النساء.
2. ضرورة اصطحاب محرم معهم عند عودتهن خاصة ليلاً.
3. يجب أن تكون الأغاني هادفة تشتمل على توصية وحث على الفضائل.
4. عدم ارتباط كلمات الأغاني بألحان أغاني ساقطة غير إسلامية.
5. لا تقوم البنات بالغناء في وجود العريس كما لا يجوز الرقص إذا كان فيه فتنة وإثارة.

اتقاء الشبهات
الشيخ محمد عبد الله الخطيب
ويضيف الشيخ محمد عبد الله الخطيب من علماء الأزهر شروطًا أخرى مثل:
1. السير في طريق آمن خاصة ليلاً.
2. لا يجوز استعمال غير الدف والطبلة.
3. استعمال الميكروفون يكون على قدر المكان ولإسماع الموجودات داخل القاعة فقط.
4. عدم جواز خلع الحجاب أمام المدعوات فهو من قبيل الهزل والفوضى.
5. عدم جواز تركيب الكلمات الإسلامية على ألحان غير إسلامية.

بينما يؤكد الشيخ حمدي إبراهيم على ضرورة محافظة المسلمة على سمتها الإسلامي من حيث الحشمة وعدم التمايل وعدم اتباع العادات الجاهلية أو تقليد الغير بل يجب تقديم بديل إسلامي متميز بشكله ومضمونه.

ويحث الأخوات على البعد عن مواطن الشبهات فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من حامَ حول الحمى يوشك أن يواقعه"، وقال أيضًا: "لا يبلغ الرجل أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس فيه مخافة أن يقع فيما فيه بأس".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق