الأحد، 5 نوفمبر، 2006

دور المرأة المسلمة في التنمية الشاملة

بقلم: أمل خيري
برز مفهوم التنمية الشاملة للدلالة على العملية المتكاملة التي تهدف للارتقاء بالعنصر البشري دون تمييز بين فئاته لذا كان التوجه الحديث للاستفادة من جميع الموارد البشرية في المجتمع لأن عملية التنمية تحتاج إلى تسخير كل الطاقات المادية والبشرية وبما أن المرأة تمثل نصف الموارد البشرية، التي يعتمد عليها في تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية فإن الحاجة تتزايد لإشراك المرأة في خطط التنمية خاصة في الدول النامية.
وتعد مسألة تهميش دور المرأة التنموي في بلدان العالم الإسلامي من أهم معوقات التنمية لذا كان هناك حاجة لمراجعة هذا الدور المنوط بالمرأة وتحديد سبل مواجهة التحديات التي تعيق دور المرأة المسلمة في التنمية الشاملة وفي هذا الإطار قدمت الدكتورة مريم آيت علي أستاذة العقائد والأديان المقارنة بجامعة ابن طفيل المغربية بحثا بعنوان "المرأة المسلمة ودورها في التنمية الشاملة للمجتمعات الإسلامية" وذلك خلال المؤتمر الذي نظمه المعهد العالمي لوحدة المسلمين بماليزيا حول مشكلة الفقر في العالم الإسلامي وسبل القضاء عليها وفي هذا الملف نلقي الضوء على أهم محاور هذه الدراسة لمحاولة تحديد أهم أبعاد ومحددات النهوض بدور المرأة التنموي في المجتمعات الإسلامية.
اقرأ في هذا الملف :

**********************
عرّف الباحثون الاقتصاديون مفهوم التنمية، بأنه عملية مجتمعية واعية ودائمة، موجهة وفق إرادة وطنية مستقلة، من أجل إيجاد تحولات هيكلية، وإحداث تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية تسمح بتحقيق مطرد لقدرات المجتمع المعني، وتحسين مستمر لنوعية الحياة فيه.
وقد بدأ طرح قضية التنمية على أجندة الدول المتقدمة والنامية، منذ الحرب العالمية الثانية وإن تغيير مسماها اليوم إلى ما أصبح يعرف بالتنمية المستدامة وعلى الرغم من الأهمية المركزية لقضية التنمية طوال ما يقارب نصف القرن، فإنها لم تحقق أهدافها في دول الجنوب (الدول النامية)، التي من ضمنها الدول العربية والإسلامية، التي مازالت تعاني من الأزمات نفسها، التي كانت تعاني منها منذ الاستقلال، ولم تحقق في معظمها أي نقلات نوعية يعتد بها، في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
التنمية المجتمعية
لذا برز مفهوم التنمية المجتمعية بداية باعتبارها “التنمية التي تستهدف المجتمع المحلي ( Community )، وتتم فيه، وتوظفه كأداة فاعلة في تحقيق أهدافها”، وبالتالي فهي تتسع لتشمل أنواعاً أخرى من التنمية، مثل التنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، وتنمية المرأة والطفل والشباب وهي في الوقت ذاته جزء من عملية تنمية أكبر على مستوى المجتمع ( Society )، أو البلد.
ويعتبر مفهوم التنمية المجتمعية، من أكثر المفاهيم المثيرة للجدل والتباين في وجهات النظر الخلافية، تتراوح النظرة إليها من اعتبارها أوهاما لا يمكن أن ترقى لحيز التنفيذ إلى اعتبارها السبيل الأوحد للتقدم والتطور في المجتمعات التقليدية، لذا نحاول الوقوف الموقف الوسط الذي يعتبرها أحد أهم وسائل تطور المجتمعات.
ولا يمكن الحديث عن التنمية المجتمعية دون التأكيد على مبدأ تفعيل المجتمعات المحلية، واستثمار طاقاتها الكامنة، لتأخذ دورها في التنمية التي ستعود عليها بالنفع، محلياً وضمن موقعها من نسيج المجتمع الكبير، أو البلد الذي تشكل جزءاً منه.
وكي تنجح التنمية المجتمعية لابد من أن يكون جوهرها احترام حقوق الإنسان والاعتماد على مبدأي المشاركة والتمكين أضف إلى ذلك ضرورة التوازن ما بين النزعة المحلية للتنمية المجتمعية والنزعة الوطنية الأشمل للدولة ككل لذا لابد العمل من خلال المؤسسات المجتمعية أو ما اصطلح على تسميته لمؤسسات المجتمع المدني وليس من خلال الحكومات أو المؤسسات الرسمية في الدولة.
إلا أن التنمية العربية تواجه تحديات كثيرة وخطيرة، يتوقع أن تشتد حدتها وتزداد انعكاساتها السلبية، على مجمل الحياة العربية خلال القرن الحالي، ومن التحديات الخطيرة التي تواجهها البلدان الإسلامية داخلياً، استفحال آفة البطالة والفقر.
الفقر في العالم الإسلامي
تعتبر ظاهرة الفقر واحدة من أهم المعضلات، التي واجهتها المجتمعات والحكومات والنظريات الاجتماعية منذ أقدم العصور. وفي القدم ارتبطت ظاهرة الفقر بفقدان الموارد، أو بالحروب التي تؤدي إلى القهر والاستعباد؛ ولذا فإن الأديان السماوية جميعها، أولت ظاهرة الفقر اهتماماً خاصاً.
ويعد الفقر من المفاهيم المجردة النسبية، فهو مفهوم يحاول وصف ظاهرة اجتماعية واقتصادية بالغة التعقيد. تدور معظم الأدبيات التي تتحدث عن ظاهرة الفقر، حول نوعين أساسيين من الفقر: الأول يسمى بالفقر المطلق، ويحدد الفقر بأنه عدم قدرة الفرد/ الأسرة على الوفاء باحتياجاتها الأساسية، الغذائية وغير الغذائية. وهناك الفقر النسبي، ويشير لعدم قدرة الفرد/ الأسرة على الوفاء بالمستوى المعيشي للمجتمع الذي تعيش فيه.
وتحدد الأمم المتحدة خط الفقر، أي الخط الذي يفصل بين الفقير وغير الفقير، أنه دولار واحد باليوم بالنسبة للفقر المطلق، وبطبيعة الحال فالفقر يختلف باختلاف المجتمعات، والأوقات والأحوال والأشخاص، وأساليب تعريفه وطرق قياسه ووسائل معالجته. ويمكن التأكد أن الفقر بمفهومه النسبي، الذي يرتبط بالظروف الاقتصادية والاجتماعية لكل بلد، هو ظاهرة موجودة في بلدان الخليج، يبرز أكثر في صورة التفاوت في توزيع الدخل وليس في انتشار ظاهرة الفقر المطلق أو المدقع منه.
أ - أخطار الفقر على المرأة
تشكل النساء 70% من فقراء العالم، نصف سكان العالم، يحققن ثلثي ساعات العمل، يحصلن -فقط- على عشر الدخل العالمي، ويمتلكن 1% من ثروات العالم، ويشكلن 1% فقط من صانعي القرار في العالم، وهن 75% من اللاجئين والمهاجرين، بسبب الحروب والفقر وانتهاك حقوق الإنسان.
إن عبء المرأة كبير في مواجهة الفقر، فحينما تنسحب الدولة ولا تؤدي أدوارها، يصبح على الأم -في الغالب- أن تقوم بدور في التعليم والصحة، وبالنسبة لأسرتها فهي بذلك المترجم الأول لاحتياجات الأسر، والمجتمعات الفقيرة تطلب من الجميع الالتفات.
ب - خطر الفقر على الأخلاق والسلوك
إن البؤس والحرمان الذي يعيشه الفقير، خاصة إذا كان إلى جواره مترفون، قد يدفعه لسلوك غير سوي، وتشكيك منه بالقيم الأخلاقية والنظام العام للمجتمع، لهذا قالوا: “صوت المعدة أقوى من صوت الضمير”، ويقول (صلى الله عليه وسلم): “إن الرجل إذا غرم استدان، وحدّث فكذب، ووعد فأخلف”.
لقد أوضحت مجموعة من الدراسات، أن اغلب الفتيات الجانحات والنساء المرتكبات للجرائم، ينتمين إلى أسر فقيرة، بالإضافة إلى وجود أعداد كبيرة من الفتيات الجانحات، يتجهن إلى ممارسة التسول، ومن ثم الانحراف إلى طريق الجريمة، وكثير من نزيلات السجون هن من مرتكبات جرائم السرقة، كونهن بحاجة ضرورية للمال والأشياء اللازمة، واتضح أن 75% من نزيلات السجون ينتمين إلى أسر فقيرة، والكثير من مرتكبات جرائم السرقة والزنا منهن أرجعن أسباب ارتكابهن لتلك الجرائم إلى العوز والفقر، إلى جانب أن الفقر يحول بين متابعة الفتيات لدراستهن، لعدم امتلاك المال لدفع الرسوم الجامعية وشراء الأدوات والكتب والمستلزمات الدراسية، مما يقف مانعاً من حصولهن على تعليم جامعي أو تخصصي، وبالتالي عدم إمكانية الحصول على عمل يمكن أن يتكسبن منه، مما يوقعهن في حالة بطالة، خاصة في المدن، ويلجأن إلى ارتكاب الجريمة للحصول على المال غير المشروع، من خلال السرقة أو الزنا والدعارة والاحتيال وخيانة الأمانة.
جـ - خطر الفقر على الفكر الإنساني
إن أثر الفقر يمتد للجانب الفكري كما هو في الجانب الروحي والأخلاقي للإنسان، فروي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: “لا تستشر من ليس في بيته دقيق”، لأنه مشتت الفكر ومشغول البال، فلا يكون حكمه سديداً.
والفقر مانع رئيسي من موانع الزواج، وتكوين الأسرة والتناسل الإنساني، لما وراءه من أعباء ونفقة، لهذا أوصى القرآن غير القادرين على الزواج بالتعفف والصبر حتى تواتيهم القدرة الاقتصادية، بقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} (3) ، وللفقر كذلك أثر على استمرار الأسرة، فمن حق القاضي أن يفرق بين المرأة وزوجها لعجزه عن النفقة عليها، رفعاً للضرر عنها، وفقاً لقاعدة “لا ضرر ولا ضرار”.
بل قد يتعدى أثر الفقر إلى قتل النفس التي حرم الله، وهي حقيقة قرآنية ذكرها تعالى بقوله: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} (4) ، وتظهر في بعض الصحف أخبار تشير لبيع بعض الأسر لأولادها بسبب ضيق الحال، أو انتحار الأب أو الأم مع الأولاد بسبب الفقر.
روي عن أبي ذر أنه قال: “عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه!” فقد يصبر المرء على الفقر إن كان ناشئاً من قلة الموارد وكثرة الناس، أما إذا نشأ من سوء التوزيع للثروة والدخل، وبغي بعض الناس على بعض، وترف أقلية في المجتمع على حساب الأكثرية، فهذا هو الفقر الذي يثير النفوس، ويحدث الفتن والاضطراب، ويقوض أركان المحبة والإخاء بين الناس.
المرأة المسلمة في مناطق النزاع
من المعتاد أن تكون النساء الأكثر تضررا في أوقات الأزمات والحروب ففي فلسطين والعراق وأفغانستان، تدهورت أحوال النساء، وانخرطن مع حركة المقاومة لطرد الاستعمار الأمريكي - البريطاني - الصهيوني، ليصبحن استشهاديات، (انتحاريات أو إرهابيات) كما تشاء أمريكا تسميتهن.
وبهذا تتحمل المرأة في البلدان الإسلامية، عبئاً جديدًا يضاف إلى أعبائها الكثيرة في ظل الترمل والثكل، لتصبح المعيل الوحيد لأسرة يتفاوت تعدادها، في ظل ظروف تقف في الجانب الآخر تماماً من مصالحها وما أتيح لها، في مجتمعات تضطهدها أساساً قبل هذه الظروف المعقدة.
تتعدد المعايير التي يعتمدها علم الاجتماع، في التعرف على الموقع الذي تحتله المرأة في أي من المجتمعات البشرية، ومن خلالها يمكن التعرف على واقع ومستوى تلك المجتمعات. ويمكن في هذا الصدد إيراد ثلاثة معايير جوهرية، تعتبر محطات مركزية لاختبار موقع المرأة ومكانتها في المجتمعات الإسلامية، وهي:
• طبيعة علاقات الإنتاج السائدة في هذا البلد أو ذاك، ومستوى تطور القوى المنتجة -المادية منها والبشرية- فيه، بما في ذلك مستوى تطور التعليم والمهارة الفنية، وتطور العلوم والحياة الثقافية، أو ما يطلق عليه اليوم بالتطور البشري أو الإنساني.
• مستوى الحياة الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
• دور المرأة ومكانتها في المجتمع إلى جانب الرجل، ومكانتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومدى تمتعها بحريتها وحقوقها كاملة غير منقوصة.
وإذا حاولنا دراسة واقع المجتمع الإسلامي من خلال هذه المعايير، لوجدنا الحقائق التالية:
تتأسس النظرة للعلاقات داخل الأسر بالمجتمعات الإسلامية على علاقات تحترم المرأة في داخل العائلة، ولكنها تحتقرها خارج إطار العائلة والمجتمع، وتعتبرها عاجزة عن التفكير والتصرف العقلاني، وهي دونية ينبغي الحذر منها.
واقع المرأة المسلمة في العمل
للمرأة خصائص اجتماعية وبيولوجية، تؤهلها للقيام ببعض الوظائف، والتخصّص في بعض المجالات، التي تنتج بها وتؤدي فيها دوراً فعالاً؛ لذلك فإن عمالة المرأة تعتبر مهمة جداً لتحسين الإنتاج، وتسريع وتائر النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كما أنه يزج في المجتمع طاقات كبيرة من الأيدي غير المنتجة.. ومع ذلك فإن نسبة قوة العمل النسائية من مجموع الإناث في البلدان العربية لا تزال ضعيفة، ولم تدخل المرأة بعدُ في مجال العمل الذي يلائم خصائصها وطاقاتها، وهذا التناسب بين الطاقات والخصائص من جهة، ونوع العمل من جهة أخرى ضروري جداً؛ إذ إن المطالبة بحق العمل دون النظر إلى إمكانياتها وأوضاعها الخاصة، مطالبة في غير محلها، وهذا لا يقف أبداً عائقاً في مساهمتها، فالطبيب لا يستطيع أن يقوم بعمل القاضي والعكس صحيح، فالتخصص وارد في جميع مجالات الحياة، إلا أن هذا التخصص يتطلب وضع سياسات حكيمة ومخططة، لدراسة واقع المرأة في العمل، وتطلعاتها ومجالات شيوعها أكثر ما يمكن.

وتتجلى أهمية مساهمة المرأة في البناء الاقتصادي والاجتماعي لتحقيق التنمية في:
1- ازدياد الدخل الوطني؛ وبالتالي زيادة تراكم رأس المال الضروري لإنجاح برامج التنمية.
2- التقليل إلى حد كبير من نسبة السكان الذين يعيشون كمستهلكين فقط، أي عالة على المنتجين، وبذلك تزداد نسبة رأس المال الموجه إلى البناء، على حساب رأس المال المستهلك من الدخل القومي.
3- رفع إنتاجية العمل الاجتماعي؛ وهو الركن الأساسي لتحقيق التنمية.

إدماج الطاقة النسائية
وقد تنبهت إلى هذه الحقيقة جميع البلدان المتقدمة، وراحت تزج بالنساء في العمل، كما إن الدول النامية تسعى إلى زج الطاقة النسائية في العمل المنتج، ولكن يجب أن تدرك أن هذا الأمر يستلزم بيانات إحصائية دقيقة، للتعرف على الطاقات البشرية المتوفرة، لاستخدامها استخداماً صحيحاً وبصورة عقلانية، دون إحداث خلل أو عدم توازن في تركيب المجتمع؛ إذ لا نستطيع نقل المرأة من المنزل إلى العمل دون التخطيط لذلك من عدة جهات:
أـ تهيئة المرأة المسلمة علمياً: وذلك عبر فك العزلة عن عوالم الجهل التي تعيش فيها المرأة، والمراهنة على إيجاد أفضل الصيغ الملائمة لتحقيق مستوى من التعلم، يربطها بتعاقد تواصلي إيجابي مع كافة شرائح المجتمع. إن التجارب والدروس تؤكد أن مجال تربية وتعليم المرأة هو المجال الاستثماري الأول في المشروع التنموي الشامل .
ب- تهيئة المرأة عملياً وإعلامياً: فالعمل قبل كل شيء مسؤولية، فيجب على المرأة أن تعرف واجباتها وحقوقها الدينية، وتحرر المرأة من تبعيتها لكل ما هو تابع للموروث الثقافي الشعبي، و أيضاً لظواهر مدنية حديثة زائفة (السلوك الاستهلاكي غير الواعي، التقليد في اللباس والعادات.. الخ)، ويخلق (العمل) منها شخصية متكاملة منتجة متميزة، قادرة على تحدي مشاكل الحياة، مع الحفاظ على كرامتها وزيادة تمسكها بالعائلة والمنزل والأولاد، لاسيما وأنها تشعر أنها تشارك في عملية البناء هذه.
ومن العوامل التي تعيق مساهمة المرأة في الأنشطة الاقتصادية المختلفة البيئة المحافظة والأعراف التي تحيط بالمرأة حيث تجعلها أقل إقداماً على العمل في مجتمعنا، الذي لا تتوفر فيه الشروط الكافية، التي تخفف عن المرأة بعض الواجبات البيتية، مثل مراكز رعاية الأطفال، ودور الحضانة والخدمات المنزلية.
لهذه الأسباب نرى أن مساهمة المرأة تتأثر بعاملين رئيسين من جملة العوامل الأخرى، وهما الحالة الزوجية والحالة التعليمية.
إن تعلم المرأة يدفعها إلى ميدان العمل؛ فكلما ارتفعت درجة تعليمها، أدى ذلك إلى جعلها عنصراً فعالاً في المجتمع، نتيجة لزيادة وعيها.
لقد أثبتت دراسة اجتماعية ميدانية، أن نزول المرأة إلى معترك العمل، والمساهمة بالنشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعام، قد حقق مكسباً كبيراً في تكوين اتجاهات جديدة في تحرير نصف المجتمع من الجمود، ودفعه في طريق الإنتاج والمشاركة، لكن مجموعة كبيرة من المشكلات أخذت تدخل إلى معظم البيوت، من خلال إرهاق المرأة بعملين معاً، ولعدم توفر الخدمات التي تعتق المرأة من بعض مسؤولياتها من جهة، ولعدم قبول الأزواج بمساعدة زوجاتهن من جهة أخرى، إذ لم تتولد بعدُ قناعة لدى الجميع بأن الحياة أساسها المشاركة.
وقد حددت أغراض البحث بـ:
1- الكشف عن المشكلات الأسرية، وتحديد أبعادها وآثارها على حياة الأسرة واستقرارها، من خلال ما يعطيه البحث من معلومات وبيانات ومعطيات إحصائية.
2- الوصول إلى نتائج وإعلان مقترحات.
و إننا في الحقيقة نفتقر لمثل هذه الدراسات رغم أهميتها؛ إذ إنها تلقي أضواءً على مقومات جديدة لعمل المرأة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر المعطيات التالية:
- 68.57 % من الزوجات العاملات يقضين العطل في البيت للقيام بالأعمال المنزلية.
- 54.81 % من الأسر التي لديها أولاد، تغطي الزوجة غيابها عن العمل بسبب مرض طفلها بإجازات إدارية، و 10.04 % بإجازة بدون راتب.
- 29.82 % من العاملات التي جرت الدراسة عليهن، ينفردن بكافة الخدمات المنزلية داخل الأسرة، وهذا يعني أن ثلث الزوجات العاملات تقريباً، مسؤولات عن تأمين كافة الخدمات المنزلية بمفردهن دون أية مساعدة.
- 47.5 % من الأزواج يساعدون زوجاتهن العاملات، في الأعمال المنزلية التي تعتبر من اختصاص رب الأسرة (شراء الحاجيات، ومساعدة الأولاد في مسؤولياتهم المدرسية).
النتائج الممكن استخلاصها من دراسة واقع المرأة في العمل تنحصر في النقاط التالية:
- إن مساهمة المرأة في العمل تبقى ضعيفةً رغم الجهود المبذولة، وإذا أردنا زيادة مساهمتها فيجب التخطيط من أجل تحقيق ذلك في ثلاثة اتجاهات:
1- زيادة تعليم المرأة.
2- تأمين فرص العمل التي تتناسب وإمكاناتها وظروفها.
3- العمل على تأمين الخدمات التي تحرر المرأة من أعبائها المتراكمة في المنزل.
واقع المرأة الريفية
إن المعطيات الإحصائية، تظهر أهميتها خاصة في دراسة فئة لها أوضاعها الخاصة وظروفها الشاقة والصعبة، ولا سيما أن لها تأثيراً كبيراً على التنمية الاقتصادية، هذه الفئة هي عبارة عن فئة النساء الريفيات، إننا إذ نريد أن نظهر واقعها الذي هو بصورة عامة واقع أليم، فإننا نهدف من هذا، إلى التأكيد على أهمية دراسة أوضاعها بالأرقام، والتخطيط لتطويرها، وتنمية القطاع الزراعي، الذي يعتبر أهم من جميع القطاعات في الأقطار العربية:
أـ التركيب السكاني: 78% من النساء في الريف هن في أعمار تتراوح بين 15-59 سنة، بينما اللواتي تزيد أعمارهن عن 60% فلا يشكلن سوى 4%، وهذا معناه أن المرأة الريفية قوة بشرية فعالة، تسهم في العمل والإنتاج معاً.
ب- التركيب التعليمي: إن نسبة الأمية في الأوساط النسائية الريفية تبلغ 76% بشكل عام، وهي 61% في فئة السن 15-19 و91% في كل من فئات السن 30-34-35-39، ونؤكد على ما جاء في البحث، بأن هذه النسبة مؤشر خطر لأوضاع المرأة الريفية، وتظهر آثاره واضحة في جميع المجالات؛ الأمر الذي يدفع المسؤولين إلى الاهتمام الجدي بمحو أمية النساء الريفيات، عبر وضع برامج تنفيذية تتناسب والواقع، وتتفق مع الاحتياجات.
ج- المرأة الريفية والعمل: إن العمل الزراعي للمرأة الريفية جزء لا يتجزأ من عملها اليومي كربة منزل، فـ 96.87% من نساء الريف مشتغلات بعملهن بالزراعة والرعي، ولكن قلما تستقل المرأة الريفية مادياً، إذ هنالك 82.19% من النساء الريفيات، ليس لديهن أي إطلاع على الوسائل الصحيحة للخدمات ووسائل الترفيه والتسلية (12) .
النتائج الممكن أن نستخلصها عن وضع المرأة الريفية تتلخص في النقاط التالية:
1- إن المرأة الريفية تساهم في التنمية بشكل ملموس.
2- مردود مساهمة المرأة الريفية يبقى منخفضاً، نتيجة مستواها العلمي والعملي.
3- قلما تعمل المرأة الريفية بأجر، إلا إذا كانت تعمل في الوظائف الإدارية، كمعلمة أو غير ذلك، وفي بعض الأحيان لدى مزارع الدولة أو الجمعيات التعاونية، والتي لا تشكل -في الحقيقة- إلا نسبة ضئيلة من عموم العاملات.
وهكذا نجد أن المرأة المسلمة عامة، قد حققت في الوقت الراهن، وقياساً إلى أواسط القرن مثلاً، نوعاً من الاعتراف بعدد لا يستهان به من حقوقها، في ميادين التربية والثقافة، والشغل والحقوق السياسية والمدنية.. فاقتحمت بذلك مجالات اجتماعية وإنتاجية كثيرة، محاولة بذلك إثبات ذاتها وتأكيد نجاعة مساهمتها، كرأسمال بشري فاعل ومنتج، إلا أنها ما تزال تعاني من كثير من مظاهر الإقصاء والتهميش، والفقر، والقهر، وعدم تكافؤ الفرص التعليمية والمهنية والسياسية والاقتصادية، الأمر الذي يحد من مشاركتها واندماجها في عملية التنمية الشاملة (13) .
وهكذا نجد أن وضع المرأة المسلمة في المدينة، لا يختلف كثيراً عن وضع المرأة في الريف، إلا من حيث كون المرأة في المدينة، تحصل على بعض الخدمات الإضافية، التي تحرم منها المرأة في الريف، وهي حبيسة البيت والمطبخ وتربية الأطفال، والحرمان من أغلب الحقوق والواجبات الحقيقية في المجتمع. وعندما تحرم النسبة العظمى من النساء من العمل، فهن لا يتمتعن بأي استقلال اقتصادي.

تؤكد الدراسات أن تمكين المرأة داخل مجتمعها، يعد ركيزة أساسية لتقدم هذا المجتمع كما أن تطوير واقع المرأة المسلمة وتحرير طاقاتها، لا يمكن تحقيقه دون وجود منظومة من التشريعات القائمة على العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، وإدماج قضايا المرأة في أوليات خطط وبرامج التنمية الشاملة، وفي إطار هذه السياسات لا بد من توعية المجتمع بقضايا المرأة، وقدراتها التي تخولها المشاركة في صنع القرار على مختلف المستويات، بما يعزز دورها الإيجابي في الأسرة والمجتمع.. ولتحقيق مثل هذه السياسات العامة، تلجأ منظمة المرأة العربية إلى وضع خطط وبرامج، تعتمد المنهجية القائمة على تحليل المواقف، وتحديد الأهداف والأوليات وآليات التنفيذ. ويأتي في إطار هذه الأوليات العمل على رفع قدرات المرأة العربية، وتمكينها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وقانونياً في المجالات التالية:
- في مجال التربية والتعليم: حيث تعطى الأولوية في ذلك للقضاء على الأمية، من خلال اعتماد آليات تنفيذ تقوم على اتخاذ تدابير تضمن إلزامية التعليم، ودعم نظام تعليم الكبار عبر برامج خاصة تستخدم أساليب التعليم عن بعد.
- في مجال الصحة والبيئة: حيث تعطى الأولوية لتعزيز البرامج الوقائية، التي تحسن من صحة المرأة، وإدماج الصحة الانتخابية في البرامج التنموية للمجتمعات المحلية، وأيضاً زيادة وعي المرأة بالمخاطر البيئية، وانعكاساتها على صحة أفراد الأسرة.
- في مجال الإعلام، حيث تبدو الأولويات في ذلك:
أ- العمل على مكافحة الصورة السلبية للمرأة، واستبدال صور متوازنة تعزز بها دورها الإيجابي في المجتمع ومشاركتها في التنمية، على أن يتم ذلك عبر آليات تنفيذ تعتمد تشكيل مجموعات خبراء من الإعلاميين، تكون مسؤولة عن مراجعة ما ينشر حول المرأة في وسائل الإعلام، وتوفير المعلومات والردود أيضاً، وتخصيص جائزة باسم المنظمة لأفضل عمل إعلامي يبرز دور المرأة الإيجابي، إضافة إلى إقامة برامج تدريبية للإعلاميين، تحثهم على إعداد برامج لتوعية المرأة بحقوقها وواجباتها الشرعية والقانونية، وعلى عدم تقديم المرأة بصورة سلبية، والعمل أيضاً مع وزارات التربية في الدول العربية، على إعادة النظر بالمناهج المدرسية، لإظهار المرأة كشريكة متساوية في بناء الأسرة والمجتمع.
- وفي المجال الاجتماعي: اعتمدت المنظمة على أسلوب التخطيط للنوع الاجتماعي، وتبني مفهوم التخطيط بالمشاركة، والتأكيد على تماسك الأسرة العربية لحماية المرأة والأسرة من المشكلات الممكنة.
- وفي المجال الاقتصادي: تعتمد المنظمة إعطاء الأولوية لمشكلة الفقر، والعمل على خفض نسبة الفقر وتخفيض أثاره على المرأة، خاصة في القطاع الريفي، من خلال توفير فرص العمل والتدريب الملائمة للمرأة.. والتوسع في إقامة المشروعات الصغيرة والبرامج الأسرية المنتجة.
- وفي المجال السياسي: فإن أولويات المنظمة العربية هي دعم المشاركة السياسية للمرأة، من خلال زيادة نسبة تمثيلها في المجالس التشريعية ومواقع القرار، وأيضاً زيادة نسبة عضوية المرأة في الأحزاب والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني..
- أما في المجال القانوني: فإن أولويات المنظمة تعديل التشريعات التي تحول دون مشاركة المرأة العربية، وإزالة أشكال التمييز ضدها، وذلك عبر آليات تعتمد على إنشاء مجموعة قانونية عربية، تسعى لإزالة الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الواقعي له.
لذا فإن أي خطط للقضاء على تحديات التنمية المجتمعية لابد أن تعتمد على مشاركة المرأة في التنمية وفي العمل الطوعي وفي مؤسسات المجتمع المدني.
مشاركة المرأة في التنمية
يتصل مفهوم المشاركة بمفهومي التنمية والتمكين اتصالاً وثيقاً ورغم حداثة مفهوم المشاركة النسائية، وارتباطه بتطورات حديثة في الحركة الاجتماعية بصورة عامة، والحركة النسائية بصفة خاصة، فإن ثمة أشكالاً من المشاركة التقليدية للنساء، وبصفة خاصة في مجتمعنا العربي لا ينبغي تجاهلها، بل إن أي دعوة لمشاركة المرأة المسلمة مرهونة في نجاحها، باستلهامها وارتباطها بأشكال المشاركة التقليدية المتجذرة في ثقافتنا، مع إفادتها في الوقت ذاته من المدلولات الحديثة لمفهوم المشاركة.
ونستطيع أن نقول في هذا الصدد: إن المرأة بعامة، والمرأة العربية بصفة خاصة، ما تزال تستشعر الكثير من الضغوط المؤسسية الاجتماعية، التي تعوق مشاركتها في صنع القرار، إن مفهوم التمكين هنا، يشير إلى كل ما من شأنه أن يطور مشاركة المرأة، وينمي من قدرتها ووعيها ومعرفتها، ومن ثم تحقيق ذاتها على مختلف الأصعدة: المادية والسيكولوجية والاجتماعية والسياسية، ويتيح لديها كافة القدرات والإمكانات، التي تجعلها قادرة على السيطرة على ظروفها ووضعها، ومن ثم الإسهام الحر والواعي في بناء المجتمع على كافة أصعدته.
مشاركة المرأة في التنظيمات غير الحكومية
يتمثل النشاط الأهلي للنساء في أنماط متعددة، من أقدمها وأكثرها شيوعاً الجمعيات الخيرية النسائية، وهي الجمعيات التي ترتبط بالبر والإحسان، وتحاول بالتالي ترميم وإصلاح العيوب ومعالجة المشكلات من موقف إصلاحي، وهي أكثر أصناف الجمعيات رواجاً وعراقةً. وهي تارة جمعيات خيرية “مختلطة” تساهم فيها نساء، وتارةً أخرى جمعيات خيرية نسائية صرفة، لا تعمل فيها إلا نساء..
وهناك جمعيات واتحادات نسائية، مرتبطة بأحزاب في السلطة أو خارجها، فإن كانت هذه الأحزاب خارج السلطة، فإنها قد ترتبط بالحركة الوطنية، وتربط نظرتها للمرأة بموقفها الإيديولوجي، أما تلك المنظمات التابعة لأحزاب في السلطة، فهي تتحرك في إطار الحزب، وتتسم بدرجة عالية من البيروقراطية.
وتشير البيانات والإحصاءات المتوافرة على الصعيد العربي إلى ضعف المشاركة النسائية بصورة عامة، في التنظيمات والجمعيات الأهلية، فضلاً عن ضعفها في العمل النقابي، وتواجد المرأة أساساً على المستويات القاعدية دون القيادية، وبالتالي ابتعادها عن مواقع صنع القرار. كما تأتي هذه المشاركة في هذه التنظيمات، من فئات وطبقات اجتماعية معينة ممن يملكن الوقت والمال، وكذلك من فئات عمرية متأخرة نسبياً بعد سن الأربعين غالباً، حتى لا يكون هناك أطفال في حاجة إلى الرعاية، كما تتسم هذه التنظيمات في الغالب بالطابع الحضري، فتستوعب نساء الحضر، مما يعني تهميش قطاعات ومناطق وأجيال وطبقات اجتماعية، عن المشاركة في العمل الأهلي النسائي العربي، يؤدي ذلك حتماً إلى صياغة مضمون النشاط الأهلي، في إطار أنساق فكرية وثقافية وقيمية، لا تمثل الغالبية العظمى من النساء العربيات.
مشاركة المرأة في العمل التطوعي
تلعب النساء المسلمات دوراً بارزاً في مؤسسات العمل التطوعي والجمعيات الخيرية ويمكن للمرأة المشاركة في إدارة موارد العمل الطوعي خاصة وأنها تمتلك المهارات الإدارية والقدرة على التخطيط، كما يمكن أن تلعب دوراً بارزاً في تطوير هذه الموارد، عن طريق تشغيل هذه الأموال واستثمارها.
لذا فإن أداء هذه الأدوار من قبل المرأة يعمق من خبرات النساء العاملات، ويطور قدراتهن الإبداعية والابتكارية، ويكسبهن العديد من المهارات، ويزيد من نطاق تفاعلهن، كما يساعد على حل بعض المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، الناجمة عن التغيرات العالمية والمحلية في المجتمعات العربية، وعلى رأسها مشكلة البطالة والفقر، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية، بالإضافة إلى أنها ستكون قادرة على تفهم مشاكل العديد من النساء، مما سيتيح لها المساهمة في تحسين الخصائص المختلفة، لقطاع عريض من النساء في المجتمعات العربية، ومنها الخصائص التعليمية والاقتصادية والأسرية والصحية.
وفي الحقيقة توجد عدة أسباب، تدعو إلى إشراك المرأة إشراكاً كاملاً في صنع القرار الاقتصادي في المؤسسات الخيرية، لأن للمرأة مهارات تناسب العمل التطوعي، وتتناسب بشكل خاص مع مبادئ الإدارة العصرية، إذ اكتسبت المرأة العديد من تلك المهارات من واقع خبرتها في إدارة مواردها الشحيحة ووقتها الضيق، وفي قيامها بمسؤولياتها المتعددة، وتوفير الرعاية والقيام بالعمل دون أجر داخل الأسرة، وهذه القدرة على القيام بعدة مهام في الوقت نفسه ثمينة جداً، يمكن استثمارها من خلال إشراك مساهمة المرأة في مؤسسات العمل التطوعي، كما يدفع ذلك إلى زيادة نسبة تمثيل المرأة في الهيئات المانحة والمتلقية لأعمال البر والخير، حيث سيتيح ذلك للمرأة القيام بدور حيوي، خاصة في إيصال العديد من الخدمات التي تلبي احتياجات المرأة، كما تقوم المنظمات النسائية بدور أساسي في تفعيل مشاركة المرأة مع هذه الجهات، خاصة من ناحية تأهيل وتدريب المرأة على المهارات المهنية والفنية، التي تتطلبها أنظمة العمل في هذه المؤسسات.
وبناءً على ذلك يمكن توصيف الدور التنموي للمرأة العاملة في الجمعيات الخيرية بأنه:
- دور قيادي يتمثل في تأسيس عديد من المشروعات الإنتاجية والمشاركة مع القطاع الخاص في تنفيذ العديد من المشروعات لدعم الاقتصاد وتحقيق التنمية الاجتماعية.
ـ دور تفصيلي لأدوار المرأة، يتمثل في التدريب وحل المشكلات وإقامة المشروعات، وإيجاد فرص عمل متزايدة لقطاع عريض من النساء في القطاعات الريفية والحضرية.
ـ دور تنشيطي لبرامج التنمية للارتقاء بخصائص المرأة، من خلال التمويل لعديد من البرامج وتأسيس مشروعات خدمية، للارتقاء بالخصائص الاجتماعية والاقتصادية للمرأة.
وحتى تتعزز مشاركة المرأة في مؤسسات الخير ، يجب أن تتوفر للمرأة عدة متطلبات أهمها:
- توفير الوقت الكافي واللازم، للإشراف والإدارة على الأعمال والمشروعات ومتابعة طرق الأداء بها وتنسيق خدماتها.
- القدرة على الإبداع والابتكار في مجال العمل الخيري، وتحقيق القدرة المالية للمؤسسات الخيرية، عن طريق بلورة أفكار لبرامج ومشروعات استثمارية، خاصة بالنسبة للمنظمات النسائية المتلقية لهذه المساعدات، مما يساعد على تطوير الموارد الذاتية، أو المساعدات المقدمة من مصادر خارجية.

نستطيع إيجاز واقع المرأة في المجتمعات الإسلامية فيما يلي:
“ضعف العلاقة التبادلية بينها وبين المجتمع. حيث همش دورها العام المستغَّل داخل المنزل، كما هُمش واستغل مجال عملها خارج المنزل في الزراعة، والرعي، وقطاع الخدمات فيما بعد”.
وقد نتج هذا عن الوضع الاقتصادي العام المتمثل في تفاقم البطالة المُقَنَّعة، والأعمال الهامشية التي يكون للمرأة فيها النصيب الأكبر.
وإذا أضفنا لذلك غياب الوعي الاجتماعي المتكامل لأهمية دور المرأة في التنمية، وفقاً للمفهوم الشامل الذي يتخطى المواضيع الكمية والأعمال القياسية، فقد تتضح الصورة بشكل أكبر:
فإن ما تقوم به المرأة كزوجة أو كَرَبَّة منزل أو كأم طوعاً، له من غير شك قيمة اقتصادية فعلية، وليس هو من تحصيل الحاصل. والدليل على ذلك أن ما تقوم به المرأة في الأرياف، ومناطق البداوة الزراعية حتى الآن، هو في أساس اقتصاد هذه المناطق.
أما في المدن والمناطق الحضرية، فيتخذ شكلاً أكثر تأكيداً على قيمة عمل المرأة المنزلي اقتصادياً، بسبب استعانة العديد من الأسر بالخدم المأجورين، أو ببعض مؤسسات الخدمات الاجتماعية المساعدة، (مطاعم، وجبات جاهزة، محال تنظيف وكي،... إلخ)، لتقديم بعض الخدمات مقابل أموال تدفع لهم. وهو دليل على أن ما تؤديه المرأة له أضعاف قيمة أي جزئية يستعان بالغير لتقديمها، وبالتالي فعمل المرأة المنزلي يحقق نتائج ذات عائدية أساسية على الاقتصاد، وعليه فقد اعتمدت منظمة العمل الدولية في مؤتمر بِكِّين الشعار التالي: “كل امرأة هي امرأة عاملة”.
وهو ما ينقلنا إلى المرأة ذاتها، التي لم تبحث في مسألتها الأساسية، ضمن رؤية لنفسها على أنها مورد إنساني وطني، تتوزع طاقاته وقدراته في مختلف المجالات والفروع، بل استغرقت في نضالها المطلبي، وانساقت وراء جزئيات متفرقة: تحررها من اضطهاد الرجل، أو المساواة به في جميع الميادين، أو تعديل التشريعات والنصوص، أو الخروج من مملكة المنزل إلى مملكة العمل بصرف النظر عن نوعه ومردوده، أو التحول إلى ربة منزل عصرية بالمفهومين التقليدي والاستهلاكي معاً، أو... إلخ.
أي أنها -وعلى رغم أهمية ما سعت إلى توجيهه وضرورته وفقاً لرؤية حيادية منطقية تتوافق مع المنطق والعقل، ولا تتنافى مع الأديان والشرائع- أغفلت إلى حد ما التركيز على القضية الأصل، أو المرتكز الأساس في كل هذا وهي أن المرأة تعد إنساناً ومواطنة عاملةً تسهم في الاقتصاد وفق قيمة مقاسة، سواءً أكانت تعمل داخل المنزل أو خارجه، وذلك وفقاً لما تحققه من نتائج.
تعليم المرأة لتمكين الأطفال
وعليه فقد نستطيع القول: إن المشكلة الرئيسة التي لها انعكاساتها السلبية على تمكين المرأة من الأداء الفعّال في النشاطات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة تتمثل في قصور تعليم المرأة.
ولاشك أن تعليم المرأة سيؤثر بالضرورة على أسرتها وعلى تمكين أطفالها للدخول بكفاءة في ميدان العمل للأسباب التالية:
- قيامها بتنشئة أطفالها، وترسيخ مكارم الأخلاق والقيم في نفوسهم، وتنمية الشعور بالمسؤولية داخلهم.
- السهر على راحة أفراد أسرتها، بشكل يزيد من نشاطهم الاقتصادي وإنتاجيتهم.
- إدارتها لشؤون المنزل من حيث نمط الاستهلاك العائلي (ترشيد الاستهلاك)، نمط الإنفاق في ميزانية الأسرة.
وتتجلى أهم آثاره في النشاط الاقتصادي المباشر من خلال:
- التعداد الكمي للمتعلمات داخل سوق العمل، وازدياد فرص وصولهن إلى الأعمال المناسبة.
- شرائح الأعمال الإنتاجية والخدمية المباشرة وغير المباشرة التي تنتسب إليها المتعلمات.
- مستوى وعي المرأة بحقوقها، وكيفية الحصول على هذه الحقوق.
- فرص مشاركتها في الحياة السياسية ومراكز صنع القرار واتخاذه.
هذا عدا عن الافتراض بأن تعليم المرأة، وعملها الذي قد ينتج عنه، سيؤدي إلى تحملها أعباء ومسؤوليات تفوق قدرتها وإمكانياتها، وتخرج عن إطار واجباتها، وهو ما قد ينعكس على سيادة قيم الاتكال والتراخي في نفوس الرجال، وزيادة الضغط النفسي والتوتر في حياة المرأة.
إضافة إلى الاعتقاد، بأن التعليم يُفقِد المرأة فرصة الزواج المبكر، أو لا يُتيح لها الحصول على الزوج الذي يتحمل مسؤولية تكريمها واحترامها، بمنع تعرضها لمساوئ العمل خارج المنزل.
إضافة إلى ضعف الارتباط بين مستويات التعليم وفرص العمل والمردود الاقتصادي، حيث إن العمل لدى القطاع العام، وأجهزة الإدارة العامة، والذي يستوعب غالبية العمل النسائي، قد انطلق من حق إتاحة العمل للجميع، في وظائف وأعمال لا تشترط مستويات تعليمية معينة، ولا تختلف معدلات أجورها بنسب كبيرة عن غيرها من المستويات عالية التعليم، وقد أدى هذا مع غيره من العوامل، إلى ترسيخ القناعة بانتفاء الحاجة إلى متابعة تعليم الأنثى.
وما يتبع ذلك من تفسير خاطئ للنص الديني في القوامة والأهلية، ومن كيانات وبنى تقليدية في أجزاء الريف، تتمتع بقوة تتجاوز حرمة النصوص الدينية، وفعالية النصوص الوضعية، ومن افتقار المناهج التعليمية لتصوير المرأة كمورد بشري ذي طاقة إنتاجية تسهم في النمو الاقتصادي، ومن انخفاض مستويات الدخول، والاضطرار لاستبعاد المرأة من التعليم توفيراً لنفقاته، أو إدخالها في سوق العمل مبكراً للمساهمة في دخل الأسرة...
1- تفعيل قدرات المرأة المسلمة الذاتية ودعم مهاراتها :
وتتمثل أهم الوسائل والأدوات في التعليم والتدريب، من حيث التوجه نحو الكم والنوع في آن واحد، ومراعاة العوامل المسببة للفجوات الحاصلة فيها، من حيث: الموروث الاجتماعي، تكلفة فرصة التعليم ونفقاته، التوازن ما بين التعليم والعمل، مضمون مناهج التعليم ومعلوماته. وذلك من خلال:
ـ وضع وتنفيذ خطة ثقافية تنموية، هدفها توضيح الفهم الديني الصحيح لدور المرأة المسلمة، وأهمية تعليمها ومشاركتها، وشرح وإثبات نتائج تعليمها وعملها على الأسرة والمجتمع. وذلك بالاستعانة بمختلف الأطراف الاجتماعية من دعاة، زعماء أحياء، مراكز استقطاب، رؤساء منظمات، قادة غير رسميين، رجال أحزاب، الإعلام.. إلخ.
- توفير المجانية الفعلية للتعليم العام والفني، من حيث (مستلزمات الدراسة، كتب، ملابس، مواصلات، دروس تقوية، هبات مالية لمتابعة الدراسة..)، وذلك بعد تعديل مناهجه وتطويرها، لتخرج عن الإطار التقليدي لتوزيع أدوار المرأة، وتكرس أهمية العلم والمعرفة، وتتحول إلى مدخلات تنتج مخرجات يمتصها سوق العمل ويسعى إليها. ورفد كل ذلك باشتراط خصائص تعليمية ومهارات فنية معينة أثناء التوظيف في القطاعات المختلفة، أو أثناء الترخيص بإقامة مشاريع خاصة.
2- مساعدة المرأة في تحقيق التوازن بين دوريها الأسري والإنتاجي :
من خلال توفير مجموعة الخدمات الاجتماعية: رياض الأطفال، مطاعم الوجبات السريعة، مؤسسات الخدمات المنزلية.. إلخ، وقد أثبتت الدراسات أنه في المناطق الفقيرة، أسهم توفير تسهيلات عامة من قبل الدولة، في زيادة فرص المرأة في العمل لكل الوقت ونصف الوقت.
3- مواجهة آثار الإصلاح وإعادة الهيكلة على المرأة :
بمراعاة تفاوت حيازة كل من الرجل والمرأة للموارد الاقتصادية، وتفاوت الأنشطة التي يعمل بها كل من الجنسين، والعمل على استهداف المرأة من خلال مشروعات تعمل على زيادة دخلها، نظراً لأن ناتج هذا الدخل يتم توجيهه بشكل كبير لخدمة الأسرة ورفع مستواها.
4- الإلزام والقسر على تعيين المرأة وترقيتها في بعض مواقع اتخاذ القرار وصنعه :
لذا ينبغي العمل على تخليص المرأة من قيود العادات والتقاليد والموروثات الشعبية المتخلفة، المضروبة حولها والمعيقة لمشاركتها في تنمية مهاراتها وقدراتها، ومن ثم تنمية المجتمع ككل، ولعل جهود تنمية المرأة ينبغي أن تبدأ بالتعليم، ثم تمتد لتشمل التدريب الفني والتأهيل والتثقيف، الذي يتواكب ومستجدات العصر من علوم وتكنولوجيا ومعلومات.
وقد أشارت العديد من الدراسات، إلى أن ضعف القاعدة البشرية يتمثل بشكل أساسي في انتشار الأمية، وبخاصة بين الإناث، وضعف التعليم الجامعي، ونقص التدريب الفني، وتواضع مستوى التنمية البشرية، وبخاصة في البلدان العربية غير النفطية وقد يؤدي ذلك إلى تدني دافعية الجماهير العربية وخصائصها الفنية، وقدرتها على المشاركة بفاعلية في جهود التنمية، فينبغي لذلك الالتفات إلى هذه الناحية المهمة أولاً كخطوة أساسية للإقدام على أي برنامج يهدف إلى تحقيق التنمية البشرية العربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق