الاثنين، 13 نوفمبر، 2006

الأوقاف..الوجه الآخر للحرية

أمل خيري – إيمان عبد المنعم

يبدو أن النظم السياسية أصبحت هي المتحكم الرئيسي في مدي فاعليه الأنشطة الاجتماعية والأهلية الداعمة للمجتمع – وأن العلاقة الطردية هي التي تحكم تلك الفاعلية فكلما كانت هناك حرية سياسية واقتصادية كلما كان هناك حرية حركة لمؤسسات المجتمع المدني.

ودائما ما تتحدث الجمعيات الأهلية عن التمويل وأزمته التي تمثل عائقا أمام نجاح أجندتها الخاصة – الأمر الذي دفع العديد من المتخصصين للحديث عن طرح بدائل ذاتيه للتمويل .

في ظل ندرة التعامل مع الوقف في الوقت الراهن إلا أنه يأتي علي رأس تلك البدائل المطروحة ،وذلك مع غياب النظم الاقتصادية الحرة – وكذلك افتقاد الأنظمة الرأسمالية التي تسمح بالقيام بمبادرات خاصة بتنمية المجتمع ذاتيا عبر التطوع .

فالمجتمعات التي تتمتع بحرية ومفهوم حقيقي للديمقراطية – من تعدد الآراء والاجتهادات وتقبل الأخر ينشط بها نظام الوقف لأنه هو ابن الحرية العامة في المجتمع ، هكذا وصفه الدكتور إبراهيم البيومي الأستاذ بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية خلال الندوة التي أقامها موقع"أسرة اون لاين " التابع للهيئة العالمية للمرأة والأسرة تحت عنوان " البدائل المطروحة لتمويل المؤسسات الأهلية ".

حيث أكد الدكتور إبراهيم أن الوقف هو البديل الأمثل بل هو البديل الإسلامي لحل كافة إشكاليات التمويل خاصة لتلك التي تطرح من الخارج فارضة العديد من الأجندات الأجنبية والتي تبعد كل البعد عن واقع المجتمع العربي وقضاياه وإشكالياته .

الاستبداد – قمع للوقف

وربط الدكتور البيومي بين كفاءة إدارات الوقف وبين مدي الحرية والديمقراطية التي تعايشها تلك البلدان مؤكدا أن فاعلية دور الوقف يعكس مناخا حرا ثقافيا وسياسيا وفكريا .

أما إذا كانت إرادته أسيرة أو مقيدة فإنها بذلك تسلب الأوقاف مضمونها وتجعله نظاما مشوها وغير صحي وغير فاعل. وهذه الإرادة يجب أن تكون قوية للتغلب على حب التملك المتأصل في النفس البشرية (وآتى المال على حبه) .

وأيضا يحتاج الوقف إلى إدارة رشيدة وقوية لذا اشترط الفقهاء أن تكون إدارة الوقف للأرشد وهو الذي لا يرتبط بعمر أو نوع .

ويؤكد الدكتور البيومي أنه كلما توافرت الحرية الاقتصادية ونظام سوق توافر بذلك المناخ المناسب لإقامة المؤسسات الوقفية فالنظام الاقتصادي الحر هو روح الوقف لأن الملكيات العامة لا تترك مجالا للملكيات الخاصة فلا يوجد تراكم رأسمالي يسمح بقيام مبادرات خاصة أو تطوعية كما أن النظام الجماعي يدعي بأنه يقوم بتلبية كافة الاحتياجات في المجتمع فالدولة دولة رعاية أو رفاه اجتماعي فهي التي تنتج وتوزع.

الوقف ممارسة للحرية

أيضا كلما كانت هناك حرية سياسية وحرية رأي واختيار ستكون هناك فرصة أكبر لنمو دور فاعل للوقف فالواقف لا يستطيع أن يوقف ماله أو جزء من ممتلكاته ما لم يكن حرا حتى في الأصول الفقهية كان هناك جدل كبير حول وقف العبد باعتبار أن تصرف الوقف هو تصرف لشخص كامل الأهلية في ملكية تامة لديه والعبد ليس كامل الأهلية فليس له ملكية تامة.

إذن ممارسة الوقف هي ممارسة للحرية الشخصية حيث أن من شروط المادة المملوكة ملكية تامة أن تكون ملكية رقبة وتصرف واستغلال.

أيضا الحريات الفكرية والأكاديمية وحرية الرأي والتعبير هي روح نظام الوقف لأنه نظام يسمح بتعدد الآراء والاجتهادات فيكون المناخ مهيأ لظهور اختيارات رشيدة من أصحاب النوايا الحسنة وخلص الدكتور البيومي إلى أن الوقف هو ابن الحرية العامة في المجتمع أو هو بصورة أعمق ابن الدعوة الإسلامية لأنها دعوة حرية بالأساس حيث تزامنت نشأة الوقف في التاريخ الإسلامي مع بداية الدعوة الإسلامية.

التمويل الموسمي

ففي ظل تعدد الاجتهادات الفقهية لأوجه إنفاق المال مثلا يستطيع صاحب المال أن ينتقي الأسلوب الأنسب لإنفاق ماله مما يدعم دور الوقف والعكس صحيح فاختفاء الحريات يؤدي لضمور نظام الأوقاف وتحويله إلى شكل بدون مضمون وتفريغه من فاعليته حتى وإن بقي اسمه في صورة هيئات أهلية أو حكومية.

وعن الإشكاليات التي تواجه مساهمة الأوقاف في دعم الأنشطة الاجتماعية والعمل الأهلي أكد الدكتور البيومي أن غياب المفهوم الشامل للتمويل الوقفي وقصره علي التحويلات النقدية أو المالية ممن لديه مال إلي من لا مال له ،أي أنه عمليه أقرب للتكافل الاجتماعي عن الدعم التنموي –.

وأضاف البيومي أن عملية التمويل الموسمي من أخطر ما يهدد عملية الدعم الأهلي والاجتماعي بل تشكل أزمة حقيقة للعمل الخيري بالوطن العربي في ظل تلك الثقافة المرتبطة بالمواسم والمناسبات الدينية من الأعياد ورمضان وغيرها – والتي لا ترتبط بالاحتياجات الفعلية للمجتمع .

وفرق البيومي بين دور كل من الوقف والتمويل في دعم المؤسسات الخيرية وتنمية المجتمع حيث أكد أن غلبة الثقافة السائدة بضرورة كبر حجم التمويل يعد مخالفا لأصول فكرة التطوع أو العمل الخيري حيث لا يتشرط كبر حجم التمويل بقدر ثبوت مقدرته ومعدله وتضخمه بالشكل المتوازن على النقيض بالنسبة للوقف الذي يتطلب أن يكون الشي الموقف ذو قيمة بحيث يبقي أصله مع استمرار إنتاج ريعه وبالتالي يجب أن يتسع مفهوم العمل الخيري لكل أحجام التمويل.

منح أم نقم

واضح أن تلك الإشكاليات تصب في مشكلة التمويل الأجنبي والذي وقعت الكثير من المؤسسات والجمعيات الأهلية في أسره حيث تحول التمويل الأجنبي من مانح إلي قيد علي حرية العمل الخيري والمجتمع المدني – وبل أصبح بمثابة العامل الأول في القضاء علي كافة المبادرات التنموية – حيث يفرض أجنده لا تتفق بالضرورة مع متلقي التمويل كما انه يفرض قيدا غير منظور علي الإرادة العامة للمجتمع .

وكما أصبحت العشوائية مرض العصر فإنه أصبح طاعون العمل الخيري – حيث أصبحت العشوائية تمارس في كل شي بالإدارة والتخصص والتوظيف وبناء المشروعات ويسرد الدكتور البيومي أشكال العشوائية مؤكدا أنها تتزايد مع العمل الوقفي نظرا لكونه نظام قديم وموروث لغلبة الثقافة التقليدية ، حيث سارت فكرة التقليدية في التمويل في أربع مسارات أساسية:

المسار النقدي، والمسار العيني، وهناك أيضا المسار التأهيلي والمؤسسي والعيني .

وبينما يفتقر النظام الوقفي إلي المسارين التأهيلي والمؤسسي في ظل اقتصاره ولفترات طويلة علي تدريب أرباب الحرف والصناعات والطوائف فإن المسار العيني والنقدي كان الأكثر انتشارا ولكنه اقل فاعلية .

ولخص البيومي أسباب ضعف دور المؤسسات التمويلية للوقف في تسييس النظام الوقفي ووضعه تحت سيطرة الإدارة الحكومية ومحاولة سيطرة الدولة عليه نظرا لرمزيته الدينية إضافة إلى تقيد الوقف عن طريق التعامل معه كشكل من أشكال الرهن المحبوس ومع المركزية في إدارة الأوقاف تدهور الأداء الاقتصادي والإداري لمؤسسات الوقف متمثلا في عدم مراعاة معايير خاصة عند توظيف الكوادر في مؤسسات الأوقاف مما أدى إلى تفكيك البنية المادية والمعنوية للوقف أضف إلى ذلك تدني الصورة الذهنية للوقف ومؤسساته والعاملين به وذلك من خلال تقييده بالعديد من القوانين والتشريعات المنظمة للوقف والتي تضعف من قدرته التمويلية بالإضافة إلي الحبس البيروقراطي المتمثل في سيطرة الادرارة الحكومية .

إعادة الهيكلة

وأضاف البيومي أن المركزية في إدارة الوقف كانت وراء تدهور الأداء الإقتصادي والإداري وتفكك البنية المادية والمعنوية للوقف .

وعن جدوى تفعيل دور الوقف يؤكد البيومي أن للوقف تراث معنوي راسخ في أذهان الناس ومرتبط بالوازع الديني لذا من الأفضل استثمار هذا الوازع الديني وهذا النظام على الرغم من عيوبه قابل للإصلاح كما توجد تجارب حديثة بذل فيها مجهود معقول ونجح في الإصلاح إضافة إلى كبر حجم الموروثات العينية التي لابد من استردادها من قبل الدولة .

وأضاف الدكتور البيومي أن الوقف هو النظام التمويلي الوحيد الذي يضمن الاستمرارية لفترات ممتدة كما انه ملمح من ملامح خصوصية المجتمع المسلم لذا لابد من الاستفادة من الوقف كبديل تنموي لدعم النشاط الاجتماعي والعمل الأهلي لذا يري الدكتور إبراهيم البيومي أنه لابد من تعديل قانون الأوقاف رقم 48 لسنة 46 وما تلاه من قوانين لا تخدم الفكر التنموي المتطور . خاصة وأن تعديل تلك القوانين سيساهم وبشكل كبير في استرداد المغتصبات وكذلك تنقية الصورة الذهنية السلبية عن الوقف من خلال طرح العديد من المبادرات الإيجابية لدعم وتفعيل نشاط المجتمع المدني ويؤكد الدكتور البيومي أن إعادة هيكلية المحفظة الاستثمارية للأوقاف ستكون لها أثر كبير في ربط مؤسسات الأوقاف بمؤسسات المجتمع المدني لأنها الأقدر على تقليل النفقات الإدارية بفعل التطوع .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق