الأربعاء، 22 نوفمبر، 2006

" بيتي مقر عملي" قصة نجاح لنساء من بنجلاديش

بقلم: أمل خيري

مازال التوفيق بين عمل المرأة ومسئولياتها المنزلية والأسرية يمثل إشكالية تقع فيها كثير من النساء حول العالم وانطلاقا من الوعي بشراكة المرأة في التنمية الشاملة تشارك العديد من النساء في تحمل مسئولية إعالة أسرهن بل إن بعضهن يضطلعن بالإعالة الكاملة للأسرة بسبب الطلاق أو الترمل أو سفر الزوج أو غيابه أو حتى لمرضه وهنا تواجه المرأة المعضلة الأبدية كيف توفق بين مهام عملها خارج المنزل ورعاية أسرتها وأطفالها؟

لذا يقدم العمل من المنزل البديل الأمثل لمثل هؤلاء النساء كشكل من أشكال التوظيف الذاتي ويقدر حوالي 300 مليون شخص حول العالم يعملون من خلال المنزل معظمهم من النساء وقد ظل مفهوم Home Worker أو العاملين من المنازل لأعوام طويلة يشير إلى العاملين في القطاع غير الرسمي فقط حتى جذب تزايد أعداد العاملين من خلال المنازل الأنظار إلى هذه الفئة المتزايدة من العاملين وفي عام 1996 أقرت منظمة العمل الدولية اتفاقية العمل المنزلي تم بموجبها توسيع مفهوم العمل من المنزل ليشمل كل القائمين بإنتاج السلع والخدمات بحيث يتم العمل في مكان من اختيار العامل نفسه وفي الغالب يكون منزله أو مقر إقامته هو نفسه مقر هذا العمل وقد أثبت هذا الأسلوب في العمل كفاءته للنساء بصفة خاصة نظرا لمرونته حيث تؤدي المرأة عملها وفي نفس الوقت ترعى أبناءها ولا تضطر للانتقال من بيتها والبعض يتخذ هذا النوع من العمل كدخل أساسي والبعض يتخذه وسيلة كدخل إضافي لتحسين الأوضاع المعيشية.
إلا أن هذه الفئة من النساء العاملات بالمنازل لم يتم الاعتراف بها كباقي العمال لذا يحرمن من الحقوق القانونية المقررة للعاملين في الأعمال والوظائف التقليدية ومن هنا سعت بعض مؤسسات المجتمع المدني لتبني قضية هذه الفئة والسعي نحو إدماجهن في المجتمع بشكل رسمي وقانوني ومن هذه المؤسسات اتحاد النساء العاملات من المنازل( BHWA ) في بنجلاديش وهو مؤسسة غير حكومية تعمل مع النساء العاملات من خلال البيوت والذي نشأ منذ عام 1986 بهدف تحسين أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية وتشمل أنشطة ( BHWA ) كل أوجه العمل التنموي المتعلقة بالنساء العاملات من خلال المنازل كما تعمل على زيادة الوعي بضرورة الاستقلال المالي للنساء.

كيف نشأت الفكرة؟

يقدر عدد سكان بنجلاديش بحوالي 130 مليون نسمة وتتراوح نسبة الذكور إلى الإناث 1.04 : 1 ويتركز حوالي 76% من السكان في المناطق الريفية حيث يعيشون حياة قاسية في القرى خاصة بالنسبة للنساء وربة البيت النموذجية في اغلب الأحوال هي أم شابة شبه أمية تعيش في قرية بعيدة عن العمران محرومة من الخدمات الأساسية كالمواصلات والمياه الصالحة للشرب والمدارس والخدمات الصحية لذا تتحمل المرأة كل الأعباء المنزلية إضافة إلى الاعتناء بالأطفال والمسنين وبالتالي تحرم اغلب النساء من التعليم أو تعلم الحرف أو احتراف التجارة الأمر الذي يستتبع انعدام الفرصة في العمل الحكومي وبالتالي شهدت السنوات العشرين الأخيرة تدهورا في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للنساء.
وفي عام 1974 دفعت الأزمة الاقتصادية والمجاعة الحادة في البلاد فئة النساء للبحث عن فرص للعمل المأجور داخل أو خارج البيوت وكانت تعد ظاهرة جديدة في البلاد التي شهدت أعواما من تهميش النساء ونظرا لتفضيل النساء للعمل من المنزل عن الأعمال الرسمية فقد أضحت فكرة المنزل هو مقر العمل انطلاقة جدية نحو تمكين النساء حيث تسعى النساء لزيادة مصادر الدخل لأسرهن ولمساعدة الرجال كما أنهن يضطلعن بأعباء منزلية وأسرية لذا فهن لا يستطعن الجمع بين مهامهن داخل المنزل والعمل خارج المنزل لذا يعد العمل من البيت بمثابة الحل السحري لهؤلاء حيث انه يعطي الفرصة للاستفادة من المهارات المطلوبة لكسب المال وفي نفس الوقت يسمح برعاية الأطفال وإدارة الشئون المنزلية.
فتستطيع المرأة أن تخصص لكل المهام أوقاتا حسب ظروفها وتستطيع إنتاج منتجات ومشغولات يدوية بتشكيلات من المواد الخام المتوفرة في البيئة المحلية .

"بيتي .. مقر عملي "

فرضت العولمة الاقتصادية واقعا جديدا على الدول النامية حيث أدت إلى إغلاق العديد من شركات الأعمال والمصانع الكبرى لعدم قدرتها على مجاراة التحديات الناشئة عن العولمة مما رفع معدلات البطالة في البلاد لذا تبنت ( BHWA ) رفع شعار : "بيتي .. مقر عملي " حيث ترى أنها فكرة ستساعد على مواجهة التحديات المستقبلية والمشكلات التي تواجه البلاد فإذا اعتبرت الدولة أن كل بيت هو مقر للعمل فتهتم بتجهيزه وتمويله فإنها تستطيع القضاء على البطالة الناتجة عن إغلاق المصانع وبالتالي يمكنها تجنب انهيار اقتصادي وشيك.
ويبلغ عدد عمال المنازل حوالي 50 مليون في جنوب شرق آسيا والذين يعانون من التمييز الشديد فدخولهم منخفضة خاصة في بنجلاديش مقارنة بالدول الأخرى وبينما تحصل النساء العاملات في الوظائف الرسمية والتقليدية كالشركات والمصانع على أجازة رسمية في العطلات الوطنية وأجازة رعاية طفل وأجازات مرضية إضافة إلى تمتعهن بخدمات التأمين الصحي مع امتلاكهن الحق في تشكيل جمعيات ضغط لضمان حقوقهن فإن النساء العاملات بالمنازل على النقيض من ذلك لا يتمتعن بأي من هذه الحقوق وعلى الرغم من أن منظمة العمل الدولية قد دعت الدول الموقعة على اتفاقية العمل المنزلي لاتخاذ كافة التدابير التي تؤمن إدماج العاملين من المنازل في المجتمع وتضمن لهم الحصول على حقوقهم إلا أن الوفد الممثل لبنجلاديش لم يوقع الاتفاقية حتى الآن مما يعيق تقدم قضية العمل المنزلي في البلاد.

دمج المهمشات

لذا تتبنى ( BHWA ) الدعوة لمساواة هذه الفئة من النساء بغيرهن من النساء العاملات في المواقع التقليدية كما طالبت الحكومة مرارا وتكرارا بتبني سياسة وطنية تحقق العدالة والمساواة وتضمن حقوق هذه الفئة التي تعاني من ضغوط وممارسات تجارية غير مشروعة من قبل المشترين إضافة إلى حرمانهن من الضمان الاجتماعي أو المعاش أسوة بغيرهن من النساء.
وقد نجح الضغط المتواصل من ( BHWA ) إلى موافقة الحكومة على تسجيل اتحاد النساء العاملات بالمنزل ( BHWA ) بوزارة العمل وكانت خطوة رائدة.
وقد قامت ( BHWA ) بالعديد من الأعمال فقد دعت لتبني سياسة وطنية لدمج هذه الفئة من النساء في قانون العمل الجديد بحيث يكن لهن الحق في تشكيل مؤسسات خاصة بهن مع تمتعهن بحقوق متكافئة في الضمان الاجتماعي وسياسات التأمين ومعاش التقاعد والتأمين الصحي والتعويضات الطبية وبرامج التدريب والتطوير وإدراج المعلومات عن هذه الفئة في التقارير والإحصاءات الصادرة عن وزارة العمل مع توفير نظم حماية ضد مخاطر الأمراض المهنية ووضع نظم للادخار الإجباري وللقروض الحسنة للنساء وباعتبار أن النساء العاملات من المنازل فئة مهملة ومهمشة فقد قدمت ( BHWA ) للحكومة الإحصاءات والتقارير التي تثبت مدى مساهمة هذه الفئة في الاقتصاد الوطني الكلي حيث تسعى لإبراز مشكلات هؤلاء السيدات وتوجيه انتباه صانعي القرار بالبلاد نحوهن .
كما شنت حملة لإجبار الحكومة على التصديق على اتفاقية العمل المنزلي كما تقوم ( BHWA ) إضافة إلى ذلك بالتوعية الصحية للنساء والتوجيه القانوني .
كما تقوم ( BHWA ) بدور فاعل في التدريب والتسويق والدعم المالي وخدمات التمويل والإقراض إضافة إلى التشبيك مع المؤسسات الإقليمية والدولية ففي إطار سعيها لتأمين حقوق هذه الفئة من النساء قامت ( BHWA ) بالتشبيك مع عدد من المؤسسات والتنظيمات الدولية والإقليمية مثل منظمة العمل الدولية و شبكة Home Net لجنوب آسيا والتي تسعى لتقرير حقوق عمال المنازل في دول جنوب شرق آسيا والتي تعد جزءا من شبكة Home Net الدولية وقد نظمت ( BHWA ) ورشة عمل في احمد أباد بالهند في ديسمبر 1997 لوضع إطار عمل لعمال المنازل بدول جنوب شرق آسيا حضر فيها ممثلو الهند وباكستان وبنجلاديش ونيبال باعتبار أن هذه الدول جميعها تواجه مشاكل مماثلة لهذه الفئة من العمال وبالفعل تعقد هذه الشبكة مؤتمرا سنويا لمعالجة مشاكل الهجرة غير الشرعية ومشاكل عمال المنازل خاصة من النساء.

خدمات تسويقية

ونظرا لاحتياج النساء لتسويق منتجاتهن مما يدر عليهن عائدا يمكنهن من حياة كريمة تسمح بتعليم أطفالهن وتسمح برعاية طبية مناسبة قدمت ( BHWA ) خدمة تسويقية حيث يوجد بالجمعية صالة عرض للمنتجات اليدوية للنساء العاملات بالمنزل والتي تدل على الإبداع لدى هذه الفئة التي لم تنل سوى قسط ضئيل من التعليم والتدريب وتتنوع المعروضات من الملابس والأغطية ومفارش المائدة المطرزة بدقة إضافة إلى تشكيلات الزهور المجففة والستائر والحقائب والأحذية والساعات الخشبية ودمى الأطفال وتدل كل هذه المعروضات على مقدار الجهد الشاق الذي بذلته كل سيدة على حدة أو مجموعة من السيدات معا وهذه الأشغال اليدوية كلها لم تكن نتيجة لتلقي أي نوع من التدريب وإنما هي نوع من الفن الشعبي الأصيل الذي تتوارثه النساء جيلا بعد جيل.
ويهدف هذا المعرض إلى قياس مدى الإقبال على هذه المعروضات وتحديد احتياجات المستهلكين في المواسم المختلفة كالأعياد لتوفير المعروض من هذه المنتجات وإيجاد قنوات تسويقية جديدة من خلال إقامة المعارض الدولية كما تقوم بنقل التعليقات والمقترحات وآراء المشترين إلى السيدات صاحبات المنتجات .
وبنظرة على مجتمعاتنا العربية تعمل الكثيرات من النساء من خلال المنازل في العديد من المشروعات المنزلية البسيطة كصنع المربات والمأكولات السريعة أو حياكة الملابس والفرش وغيرها من المنتجات اليدوية إلا انه لا تتوافر الإحصاءات الدقيقة أو حتى التقريبية عن نسبة هؤلاء النساء وبالتالي لم تهتم أي جهة بالتعبير عن حقوق هذه الفئة فمتى تتنبه مؤسسات المجتمع المدني الرامية لتمكين النساء من هذه الفئة المهملة وهل يأتي يوما ينشأ فيه اتحاد عربي للنساء العاملات من المنازل أسوة بدول جنوب شرق آسيا ؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق