الخميس، 7 فبراير، 2013

مجلة "الرأسمالية" منبر متجدد لتشويه الإسلام

أمل خيري


عديدة هي المنابر التي يتخذها أعداء الإسلام للنيل منه وتشويه صورته لدى الإعلام الغربي، سواء منه المرئي أو الالكتروني، وترتفع أصوات الكراهية والعداء من كثير من الكُتاب  الغربيين الذين لا يكلون في سبيل تحقيق أغراضهم في إثارة الرأي العام ضد الإسلام والمسلمين، ومن ثَمَّ تقويض الجهود التي يبذلها المسلمون في محاولات الاندماج في المجتمعات الغربية.



ومن بين هذه المنابر تطل علينا مجلة "الرأسمالية"[1]، التي تحرص على الاستمرار في دورها كي تقطر سمومها وأحقادها ضد الإسلام، وذلك تحت دعوى حرية الفكر والتعبير التي تتبناها المدرسة الرأسمالية. والتي تفتح أبوابها وصفحاتها لاستقطاب الأقلام الخبيثة التي تواصل مسيرة المجلة في تشويه صورة الإسلام، وتصويره على أنه دين العنف والدموية.



عَقْدٌ من الكراهية:


على مدى أكثر من عشر سنوات منذ إطلاقها مطلع القرن الحادي والعشرين لم تتوقف المجلة عن تأجيج مشاعر الكراهية والحقد ضد الإسلام. ومجلة الرأسمالية "Capitalism Magazine" مجلة الكترونية مخصصة للدعوة لما أسمته بالرأسمالية غير المنظمة، والتي ساهم الكاتب والمصور الصحفي "مارك داكونا" في ترويجها. والمبادئ التي يحرص داكونا على الدعوة إليها مشتقة من قراءة الفلسفة الموضوعية للروائية والفيلسوفة الأمريكية- السوفيتية "أيان راند"[2] التي تؤكد فلسفتها على مبادئ الرأسمالية الأصيلة.



هناك العديد من الأقلام التي تكتب بصفة دورية في المجلة مثل: دانيال بابيس، وتوماس سويل، ووالتر ويليامز، كما تقوم شراكة بين المجلة ومعهد أيان راند. وتتبنى المجلة خطاً عدائياً للعرب والمسلمين خاصة أن من بين كٌتابها عددا من مؤيدي إسرائيل، ومن بينهم يارون بروك الذي خدم في المخابرات العسكرية الإسرائيلية.



وتمول المجلة أساسًا من تبرعات القراء وإعلانات جوجل. ويؤكد كُتابها على أن المجلة تعبر عن الصوت الأصيل لمبادئ الرأسمالية خاصة فكرة "دعه يعمل، دعه يمر"، ورعاية حق الاجهاض، وتأصيل الحرية الفردية، كما تستهدف المجلة الليبراليين المناهضين للرأسمالية على حد قولها كمن أسمتهم بالليبراليين الاشتراكيين.



إدوارد كلاين صوت العداء:


في عموده شبه اليومي يبث "إدوارد كلاين" أبرز كُتاب المجلة سمومه ضد الإسلام والمسلمين؛ فالإسلام وفق رؤيته هو العدو الحقيقي والأوحد، والذي يجب أن تسخر كافة القوى لاقتلاعه واجتثاث جذوره لكونه يحمل بذور العنف والإرهاب، وفي وجوده لن ينعم العالم بالسلام على حد قوله.



ويعد "إدوارد كلاين" روائي أمريكي مثير للجدل في الولايات المتحدة خاصة بعد صدور كتابه الأخير عن هيلاري كلينتون، وكذلك كتابه عن عائلة الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، وهو متخصص في الكتابة عن فترة الحرب الثورية، ومؤلف سلسلة من الروايات التي تدور أحداثها في انجلترا وفرجينيا في الفترة الثورية، وله العديد من الكتب والمقالات المنشورة، وهو معروف بمناهضته للإسلام وللأديان بشكل عام، ومعروف أيضا بانتقاداته المستمرة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، وللحزب الديمقراطي، وللرئيس الأمريكي السابق جورج بوش.



فيما أسماه بالحرب العادلة والتي يقصد بها الحرب الأمريكية في أفغانستان، يرى كلاين أن أحد العيوب الرئيسية للإستراتيجية الأمريكية، تتمثل في التهرب من حقيقة أن العدو الحقيقي للإدارة الأمريكية ليس طالبان ولا القاعدة بل الإسلام نفسه. وبالتالي فوفق رأيه لا يعتبر القضاء على طالبان أو تنظيم القاعدة هدف في حد ذاته، بل يجب استهداف الإسلام لأنه مناهض للغرب، بل ومناهض لكل القيم المؤيدة للحياة والعيش في سلام.



وبالتالي فيجب التعامل مع الإسلام على أنه الخطر السياسي الثيوقراطي، فهو بحكم طبيعته العقائدية دين عنيد وعدواني - على حد قوله - ومن ثم لا يمكن أن يكون دينا سلميا، ويجب على الإدارة الأمريكية اقتلاع الإسلام من أفغانستان قبل الرحيل وعدم السماح لطالبان بالاختلاط بالمدنيين، ويحرص على تذكير الأمريكيين بالثلاث آلاف أمريكي من الضحايا المدنيين الذي لقوا حتفهم جراء ما أسماه بالإرهاب الإسلامي في الحادي عشر من سبتمبر، ويحذر من مزيد من الضحايا الأبرياء إن لم تقم أمريكا بواجبها في القضاء على الدول التي ترعى الإرهاب في نظره.



ولا يأل كلاين جهدًا في انتهاز كل الفرص للانتقاص من الإسلام والمسلمين، فقد شن حملة شعواء على الوجود الإسلامي في أمريكا، وعلى إنشاء مسجد الجراوند زيرو، وأيد فكرة حرق المصاحف، وحظر النقاب، وانتقد خطاب أوباما من القاهرة الذي أشاد فيه بالإسلام، وحذر من أسلمة أوروبا، معتبرا أن انتصار الإسلام يعني مزيدا من القتل والتدمير وإهدار دماء الأبرياء كما يعتقد.



اعرف عدوك:


أما "بوش فاوستين" الكاتب الصحفي ورسام الكاريكاتير الأمريكي، فقد تخصص في الكتابة حول الإسلام والعنف والإرهاب، وله العديد من المقالات والرسوم الكاريكاتيرية المسيئة حول الجهاد والإسلام، ويعد حاليا لإصدار رواية ساخرة بعنوان "الكافر" يعرض فيها لقصة توأمين من أصول إسلامية، تباينت ردود أفعالهما عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فأحدهما أعلن موقفه من نبذ الإرهاب وألف كتابًا فكاهيًا يحمل عنوان "الرجل الخنزير"، والآخر استسلم للإسلام وترك له العنان ليأخذه أينما شاء.



وحسب رؤية فاوستين فالإسلام دين سياسي وفكرة الفصل بين الدين والدولة غير واردة إطلاقا في الإسلام، وفي مقاله " سَمِ الإسلام باسمه" يدعو فاوستن الغرب لمعرفة عدوه وتسميته باسمه الصحيح؛ فهو يرفض كل المصطلحات التي يطلقها المفكرون الغربيون من أمثال: "الأصولية الإسلامية" ، "التطرف الإسلامي" ، "الإسلام الاستبدادي" و "الفاشية الإسلامية" ، "الإسلام السياسي" ، "الإسلام الجهادي" ، "البن لادينية" ، "الإسلاموية" ، "الإسلام الراديكالي" ،... وغيرها من المصطلحات الخاطئة حسب قوله.



فكل هذه المصطلحات في نظره تعطي انطباعًا خاطئًا بأنها بدائل للعدو الذي يواجهه الغرب (الإسلام)، فمثلاً لا يعد مقبولاً وصف الفاشية بالمتطرفة لأنها التطرف في ذاته،  وفي المقابل يدعو لتسمية الإسلام إسلامًا فحسب، لأن كل هذه الأوصاف تشكل جوهر الإسلام نفسه، وينبغي تسمية العدو باسمه الحقيقي.



وينتقد فاوستين الزعماء السياسيين الذين يشيدون بالإسلام كما لو كان دينهم على حد قوله، فحينما قال جورج بوش أن الإسلام يعني السلام، وحين أتى صوت أوباما من قلب القاهرة ليعلن أن جزءًا من مسئوليته كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية أن يتصدى للصور النمطية السلبية عن الإسلام، فكل هذه المحاولات لدفاع واشنطن عن الإسلام، يراها فاوستين تقصيرًا في أداء الإدارة الأمريكية بل لقد اعتبرها فضيحة حيث أسماها "إسلام جيت" على غرار فضيحة "ووتر جيت".



ويرفض فاوستين الاعتراف بوجود إسلاميين معتدلين أو متطرفين، لأن الشر حسب قوله لا يوصف بالاعتدال أو التطرف، بل هو شر محض، وإذا كان السياسيون خذلوا الغرب فعلى الجميع أن يكافح من أجل نبذ مفهوم الحرب على الجهاد أو الإرهاب، والتأكيد على أنها حرب على الإسلام (العدو).



ما لا تعرفه عن الإسلام:


وعلى صفحات المجلة نشرت جماعة تطلق على نفسها "الورود البيضاء"[3] فيديو بعنوان "ثلاث أشياء عن الإسلام" وهو الفيديو الذي روجت له على موقع اليوتيوب، بهدف الإجابة عن عدة أسئلة من بينها: ما الذي تحتاج لمعرفته عن الإسلام؟، وهل الإسلام دين السلام حقا؟، وما هو السبب الجذري للإرهاب الإسلامي؟. وقد أعد هذا الفيديو بالانجليزية لمخاطبة غير المسلمين وتعريفهم بالإسلام، ويؤكد صانعوه على أنهم ليس لديهم أي انتماءات دينية، كما نفوا اتهام البعض لهم بالانتماء لإسرائيل.



وفي هذا الفيديو يذكرون ثلاث حقائق مفاجئة لم يكن الغرب يعرفها عن الإسلام على حد قولهم، وأول هذه الحقائق أن القرآن ليس مقتبسا من الكتب السماوية الأخرى، فالإنجيل مثلا مجموعة من الكتابات التي جمعت على مدى مئات السنين، ويضم آراء وأمثال ورؤى، جمعت كلها في كتاب واحد، ونفس الأمر ينطبق على التوراة.



أما القرآن كما ذكر معدو الفيديو فهو كتاب واحد كتبه رجل واحد في حياته (في إشارة إلى أنه غير إلهي)، وإذا كان الإنجيل والتوراة يحتويان على متناقضات كالقرآن، فإنه لا يجوز الخلط بين القرآن وغيره من الكتب لأن في القرآن الأحدث ينسخ الأقدم، وبالتالي فإن وجود تناقض بين آيات تدل على التسامح وأخرى تدعو للعنف فإن الآيات الأخيرة نسخت الأولى، ومن ثم فالإسلام دين يدعو للعنف في نسخته الأخيرة. وواضح طبعًا أن معدي هذا الفيديو غلبهم التحيز الأعمى الذي جعلهم يطلقون حكمًا عشوائيًا دون ذكر آية واحدة، ودون إشارة لأقوال المفسرين حول الآيات التي يعتبرونها داعية للعنف أو التسامح كما يذكرون.



والحقيقة الثانية التي يؤكدها الفيديو أن السعي لتطبيق الشريعة الإسلامية هو واجب ديني، فالإسلام في رأيهم أكثر من أيديولوجية دينية فهو أيديولوجية سياسية تشمل خطة إلزامية محددة قانونية وسياسية لعموم المجتمع بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهي تلك الشريعة التي تسمح للأزواج بضرب زوجاتهم، وتقطع يد السارق وترجم الزناة، وتجلد شاربي الخمر، وتقتل المرتدين، وكل هذه الحدود في نظرهم دعوة للعنف والإرهاب.



الحقيقة الأخيرة التي يكشفون عنها أن الإسلام يسمح للمسلمين بخداع غير المسلمين إذا كان ذلك في مصلحة الإسلام، وهو ما يسميه البعض التقية، بإظهار غير ما يبطنون، وهم في ذلك يخلطون بين مفاهيم شيعية يرفضها كثير من أهل السنة، كما يتخذون بعض الزعماء والسياسيين المسلمين المعاصرين حجة لتطبيق هذا المبدأ الخداعي حين يصرحون لوسائل الإعلام الغربية بتصريحات ينفونها في الصحف العربية في اليوم التالي.



ربما يقلل البعض من أهمية هذا الفيديو، إلا أنه بالنظر لارتفاع عدد مرات مشاهدته إلى ما يقارب المليوني مشاهدة خلال ثلاث أشهر فقط، مع نشره في مئات المنتديات والمواقع ، ومتابعة عدد التعليقات المؤيدة له، كل هذا ينبئ عن خطورته في ترويج هذه الأفكار الخاطئة عن الإسلام، لذا أدعو الدعاة من نشطاء الانترنت للرد على هذا الفيديو بآخر يفند هذه المغالطات ويصحح الصورة السلبية التي يروج لها هؤلاء، شريطة الإعداد الجيد له وتضمينه مصادر موثوقة وردود مقنعة عن التساؤلات بالاستعانة بأقوال العلماء الثقات، على أن يكون باللغة الانجليزية وموجها بخطابه لغير المسلمين.



سلاح الإسلاموفوبيا:


كاتب آخر معروف بعدائه الشديد للإسلام، واحترافه الكذب والتضليل وهو "روبرت سبنسر" الذي يتخذ من مجلة الرأسمالية منبرًا آخر لنشر ضلالاته، وهو مؤسس موقع جهاد ووتش ويكتب في العديد من الصحف والمجلات ويروج الأكاذيب والافتراءات عن الإسلام. وله عدة مقالات في مجلة الرأسمالية تحمل فكرة واحدة هي تأصيل كراهية الإسلام.



ينتقد سبنسر الترويج لفكرة الإسلاموفوبيا، معتبرًا أنها سلاح يستخدمه المسلمون لتضليل الرأي العام، وحشد التأييد والتضامن مع الإسلام، ويعيب على أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي (أكمل الدين إحسان أوغلو) قوله أن العالم الإسلامي اليوم يمر بأوقات عصيبة، مشيرًا إلى أن المقصود بالأوقات العصيبة في مفهوم أوغلو تفشي وباء كراهية الإسلام (الإسلاموفوبيا)، بينما كان الأولى به أن يذكر أن الأوقات العصيبة يقصد بها تفشي حوادث العنف التي يرتكبها مسلمون في الغرب.



وحسب سبنسر فإن الإسلاموفوبيا مفهوم اخترعه العنصريون من الإسلاميين، لمحاولة تقويض أي تحليل واقعي للجهاد العالمي في جميع مظاهره، بالإدعاء بنمو الخوف من الإسلام وانتشاره في أنحاء العالم، بينما يرى سبنسر أن هذا غير صحيح على الإطلاق فجرائم الكراهية ضد المسلمين لا وجود لها إلا نادرًا.



بالطبع لن نجادل سبنسر في إدعاءاته الباطلة، يكفي النظر للعديد من الحوادث التي تدل على كراهية الإسلام بدءً من مقتل مروة الشربيني أو حظر بناء المآذن أو حظر النقاب أو الرسوم المسيئة أو الدعوات المتكررة لحرق المصاحف وغيرها من مظاهر العداء والكراهية، فإذا كانت كل هذه الحوادث في نظر سبنسر لا تعد جرائم كراهية ضد الإسلام، فلابد أن العمى قد طمس عينه قبل قلبه وعقله.



وشارك سبنسر كذلك في الحملة على بناء مسجد الجراوند زيرو، كما تهجم على الشريعة الإسلامية في مناسبات عدة، وانتقد تطبيق الحدود، وهو كثير الخلط بين الإسلام والإرهاب فهما لديه مترادفان تماما، ويدافع بشدة عن حرية المرتدين عن الإسلام من أمثال أيان هيرسي، ويندد باضطهاد البهائيين، ويتعمد تشويه صورة نبي الإسلام والقرآن الكريم.



وفي مقال له بعنوان "محمد في مقابل محمد: الأساطير والحقائق حول مؤسس الإسلام"، حاول التقديم لكتابه الذي يصدر في شهر أبريل 2012، بعنوان "هل محمد موجود؟ التحقيق في الأصول الغامضة للإسلام"، والذي يسعى فيه لتفنيد فكرة وجود النبي من أساسه، وهل بالفعل ظهرت هذه الشخصية في التاريخ أم أنه مجرد وهم اخترعته كتب السير والتاريخ. وسبق أن كتب سبنسر كتابًا عام 2006 بعنوان "الحقيقة حول محمد"، ويدور حول نفس الفكرة.



ربما يذكرنا هذا الخطاب العدائي لمجلة الرأسمالية بمحاولات عديدة من مستشرقين متعصبين كرسوا جهدهم لتشويه صورة الإسلام عبر مئات السنين، وستظل هذه المحاولات في الاستمرار ما لم يضطلع المسلمون بدورهم في توضيح الصورة المعتدلة لوسطية الإسلام، فكثير من المسلمين - مع الأسف - يساهمون في تكريس هذه الصور النمطية السلبية عن الإسلام عن جهل أو قصد، لكن البعض أيضًا من هؤلاء الحاقدين سيستمر في بث السموم والأحقاد حتى آخر رمق مصداقًا لقوله - تعالى -: ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ [البقرة120]، وهؤلاء يجب كشف أكاذيبهم وتفنيد إدعاءاتهم.




[1] http://www.capitalismmagazine.com/
[2] http://en.wikipedia.org/wiki/Ayn_Rand
[3] جماعة من نشطاء الانترنت يتخذون من السويد مقرًا لهم، وهم يتخذون اسم الورود البيضاء شعارًا لهم، تقليدًا لمجموعة اتخذت نفس الاسم في أربعينيات القرن العشرين لمناهضة النازية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق