الخميس، 7 فبراير، 2013

عن متلازمة الحرية السياسية والنمو الاقتصادي




هل للمعارضة السياسية دور في النهوض الاقتصادي؟
كتبت: أمل خيري
باحثة اقتصادية
أثناء مجاعة البنغال عام 1943 تعرض الكثير من فئات المجتمع للفقر والجوع، إلا أن أكثر فئة تعرضت للحرمان ولم يلتفت إليها أحد كانت فئة الحلاقين الفقيرة أصلا، لماذا؟
ببساطة لأن الناس راجعت أولوياتها في ظل أوضاعها الاقتصادية فقررت أن قص الشعر ليس من الأولويات وقتها، وأن الطعام هو الحاجة الأولى بالاهتمام، فكانت النتيجة أن 70% من الشعب امتنعوا عن الذهاب إلى الحلاقين، مما جعل هذه الفئة الأكثر عرضة للجوع.
البشر إذن كأفراد يستطيعون تحديد أولوياتهم الاقتصادية بدقة أكثر من الحكومات، إلا أن أولوياتهم هذه كثيرا ما تأتي على حساب فئات أخرى من المجتمع، في حين يفترض أن الحكومات حين تحدد أولوياتها يجب أن تراعي كل الفئات ولا تحابي فئة على حساب أخرى. وحين تترك الحريات للأفراد تختار كل فئة من فئات المجتمع تحقيق مطالبها بغض النظر عن مطالب الفئات الأخرى، وأحيانا يتم تغليب المصالح الخاصة الضيقة على مصلحة المجتمع ككل.
هذه مقدمة لابد منها قبل الإجابة على السؤال التقليدي الذي يدور في ذهن المواطن المصري على مدى عامين، أين هي منجزات الثورة حتى الآن؟، رفعنا شعارات "عيش –حرية-عدالة اجتماعية" فلم نجن سوى الحرية التي تحولت إلى فوضى وتخريب وانفلات أخلاقي ومجتمعي قبل أن يكون سياسي، أما العيش والعدالة فقد أصبحتا حلما بعيد المنال، بل يتمادى البعض في رفع سقف الحريات التي يطالب بها معتبرا أن ما جنينياه حتى الآن لا يمت للحرية بصلة، وأنه يتعرض للتضييق والتعنت، وأننا مازلنا تحت حكم مستبد رغم أنه يصدح بالسب والقذف على شاشات الفضائيات وفي الصحف وعلى الانترنت على مدى 24 ساعة يوميا بل ويدعو صراحة للتخريب والفوضى ومع ذلك لا يتعرض له أحد.
مما دعا الكثير للتساؤل: هل اتخذت الثورة مسارا خاطئا بالبدء بالحرية السياسية والتركيز عليها وتجاهل الجانب الاقتصادي منها؟
وما الذي يجعل الناس في ظل الاستبداد يرون الحرية السياسية المطلب الأول لهم ثم بعد أن ينالوها يكفروا بها ويعيدوا حساباتهم ليؤكدوا أن المطالب الاقتصادية هي الأهم؟
والحقيقة أن هذه جدلية قديمة، أيهما أولى الحرية السياسية والديمقراطية أم النمو الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية؟
فهناك من يرى أن الحريات أحيانا تعيق النمو الاقتصادي، ويدللون على ذلك بأن كثير من الأنظمة الديكتاتورية حققت معدلات نمو مرتفعة لدولها كالصين وكوريا الجنوبية أو كسنغافورة في عهد "لي كوان" على سبيل المثال، حيث حققت هذه الدول معدلات نمو أسرع من دول مجاورة لها أقل استبدادا كالهند وكوستاريكا وجامايكا.
إلا أن هؤلاء يغفلون عن حقيقة أن معدلات النمو المرتفعة ليست مؤشرات على النهوض الاقتصادي من جهة، وأن الحريات السياسية تسمح للناس بالمشاركة السياسية والاجتماعية والمطالبة باحتياجاتهم الاقتصادية من جهة أخرى، والمشاهد أن استجابة الأنظمة الحاكمة في الغالب لمعاناة ومطالب الناس تتوقف على مدى الضغط الذي يمارسوه على هذه الأنظمة، وبالطبع في ظل الاستبداد يحرم الناس من هذه الميزة، والحقيقة أيضا أن الديمقراطية يمكن أن تدفع في اتجاه النمو الاقتصادي وتؤدي دورا حيويا فيه لو أحسن استخدام آلياتها.
هل ينحصر دور المعارضة في تعطيل الإنتاج؟
الملاحظ أن بعض قوى المعارضة المصرية بدعواتها الصريحة لإسقاط النظام واستمرار الفوضى والمظاهرات الخالية من السلمية لا تساهم فقط في إعاقة النمو الاقتصادي، بل تقدم نموذجا غاية في السلبية والانتهازية ينتقص من دور المعارضة الرشيدة، مما يهدد بتقويض التجربة الديمقراطية الوليدة نفسها.
فحين تتحول الحرية السياسية إلى فوضى وتخريب وتوقف للإنتاج واعتصامات ومظاهرات فئوية تنظر لمصالحها دون غيرها فإننا نكون بصدد تكرار لمجاعة البنغال حين تضررت فئة نتيجة نظر الفئات الأخرى لمصالحها وحدها دون غيرها، ناهيك عن الاستنزاف المستمر لموارد الدولة في عمليات تخريبية للمنشئات والممتلكات العامة والإضرار بقطاعي السياحة والاستثمار، حيث هروب رؤس الأموال والسياح في ظل الفوضى والتخريب، وفي هذا يقول الكاتب الانجليزي كولن ولسن: الحرية مدمرة مالم تصحبها المعرفة والشعور بالمسؤلية.
وهذا ينقلنا إلى حقيقة دور المعارضة السياسية في النظم الديمقراطية، وما إذا كان لها دور في تقويم السياسات الاقتصادية للدولة ودفع النمو الاقتصادي؟  
بعيدا عن التعريفات الاصطلاحية المتخصصة لمفهوم "المعارضة" وتبايناتها، يمكن القول ببساطة أن المعارضة في النظم الديمقراطية هي الجهة السياسية التي لم تستطع الوصول إلى سلطة الحكم من خلال الانتخابات، فأصبحت في دور المعارضة للنظام الحاكم لتعمل ضمن أطر وقواعد النظام السياسي عبر آليات مؤسسية متفق عليها، وهذا بالطبع مقصود المعارضة في النظم التي وصل فيها النظام الحاكم للحكم من خلال صناديق الانتخاب، أما في الأنظمة الاديكتاتورية فإن المعارضة تكون مضطرة للجوء إلى وسائل غير مؤسسية على رأسها التظاهر والاعتصامات.
وبالنظر إلى غالبية القوى المعارضة للنظام الحالي، نجدها لا تزال تستخدم الوسائل التي تتبعها المعارضة في النظم الديكتاتورية ولا تستطيع ممارسة دورها عبر القنوات الشرعية والمؤسسية، مما يستدعي للأذهان مقولة "تيرني" التي طرحها منذ أكثر من قرن حين قال في مجلس العموم البريطاني أن دور المعارضة هو "ألا تقترح أي شيء، وأن تعارض كل شيء، وأن تسعى لإزاحة الحكومة!".
وهذا التعريف لدور المعارضة هو أبعد ما يكون عن حقيقة دور المعارضة في النظم الديمقراطية، فقد تجاوزت الديمقراطية فكرة المعارضة للمعارضة، أو فكرة أن تعيش وتموت المعارضة لكي تعارض فقط، ليصبح لها أدوارا أخرى فاعلة ومؤثرة.
فالاتجاه الحديث لتعريف المعارضة يركز على ثلاثة أدوار أساسية لها: أن تكون صوت من لا صوت له، ومراقبة وتقويم الحكومات عبر القنوات الشرعية، وأن تقدم بديلا جاهزا للنظام الحاكم، ويضيف البعض دورا رابعا يعزز من مكانة ودور المعارضة وهو المشاركة في بناء الوطن.
بالنسبة للدور الأول، فكل الحقائق تؤكد على أن قوى المعارضة الحالية بعيدة كل البعد عن أن تكون صوت من لا صوت له، بل هي لا تمثل سوى نفسها ولا تعبر عن المواطن أو عن الشعب المصري، بل هي قوى ومصالح حبست نفسها في أبراج عاجية منفصلة عن الواقع والمجتمع، حتى لفظها رجل الشارع واعتبرها غير معبرة عنه.
أما عن الدور الثاني، فقد تجاوزته قوى المعارضة لتطالب باسقاط النظام الذي لم يستكمل بناء أركانه أساسا عبر قنوات غير شرعية وعبر دعوات التخريب والفوضى والتحريض على العصيان المدني، فبدلا من قيام المعارضة بمراقبة السياسات الاقتصادية والمشاركة في صياغتها وتقديم الأفكار والبدائل والحلول تعمد لضرب الاقتصاد والتشجيع على الفوضى والخروج على الشرعية، متناسية أن الاستحقاقات الديمقراطية لا يمكن انتزاع الشرعية منها عبر الفوضى، ولو أن قوى المعارضة وجهت قوتها وجهودها لتقويم السياسات الاقتصادية للحكومة وتهيئة الطريق لإنجاز مشروعات تنموية لحققت الخير لها ولمصر، يكفي أنه في ظل هذه الفوضى يمكن أن نفاجأ مثلا بتمرير قوانين لها مردود سلبي اقتصاديا دون أن يتنبه لها أحد ولا حتى قوى المعارضة التي انشغلت بمصالحها الخاصة، على سبيل المثال قد نفاجأ بانتهاء إجراءات التوقيع على قرض صندوق النقد الدولي دون أن علم ما هي شروطه، أو استمرار شركات دولية في نهب البترول والغاز المصري أو سرقة الذهب وغير ذلك، ونحن في غياب تام نتيجة انشغال المعارضة بهدم ما تم بناؤه من مؤسسات بدلا من مراقبة عملها وتقويم سياساتها.
ونأتي للدور الثالث، وهو في الحقيقة يعد نقطة سوداء في ثوب المعارضة المصرية، فإن من أهم أدوار المعارضة الحقيقية أن تؤكد للناخبين أن اختياراتهم عبر صندوق الانتخابات لم تكن الأفضل، ليس بتشويه هذا الاختيار، ولا بانتقاص الناخبين ورميهم بالجهل والتخلف، ولا بالانقلاب على إرادة الناخبين، بل بتقديم نفسها على أنها البديل الأفضل للنظام الحالي ببرامج واضحة ذات مصداقية لتقنع الناخب بضرورة اختيارها في الانتخابات القادمة، مما يجعل المعارضة في وضع أفضل من الحكومة، إذ لديها الفرصة كاملة في وضع برامج اقتصادية وحلول للمشكلات الاقتصادية بعد دراسة متأنية دون أن تكون في موضع المسئولية.
نتذكر على سبيل المثال الأحزاب الليبرالية التي أخفقت في انتخابات عام 2007 في أستراليا لتفوز حكومة حزب العمال بقيادة جوليا جيلارد برئاسة الحكومة، وبعد عدة أشهر من بكاء القوى الليبرالية على نتيجة الانتخابات واتهاماتها التي وجهتها للحكومة بتزوير الانتخابات، أفاقت على صرخة وجهها لها "كيفين جيمز أندرو" أحد زعماء الحزب الليبرالي في أستراليا، ليقول لقوى المعارضة كفاكم محاولات إقناع أنفسكم بتزوير الانتخابات وعيشوا حقيقة أنكم في المعارضة وأنكم بذلك في وضع أفضل بكثير، مؤكدا أن وجودهم في المعارضة يعطي لهم المزيد من الوقت للدراسة والتخطيط، والاستعداد للانتخابات التالية ببرامج أكثر قوة وتفاعلا مع تطلعات المواطنين، ومراقبة ما أنجزته حكومة حزب العمال لتقديم البديل الأقوى الذي يدفع الناخب لاختيارهم.
وبالطبع حتى الآن أخفقت قوى المعارضة المصرية في إقناع المواطنين بالبديل الأفضل، ببساطة لأن قوى المعارضة هذه لم تشغل نفسها بتقديم هذا البديل بل اهتمت بتشويه وعرقلة مسيرة الحكومة اعتقادا منها أنها متى سقطت سيهرع الشعب إليها لاختيارها كبديل وهذا أحد أكبر أوهامهم، بل لم تحاول إحدى هذه القوى الالتحام بالشارع أو القيام بدور حقيقي على الأرض بعيدا عن الفضائيات، والأكثر من ذلك أن الشعب أصبح يراهم محركي الفساد والفوضى والتخريب ففقد فيهم الثقة.
وأخيرا الدور الرابع للمعارضة، بأن تكون شريكة في بناء الدولة، فيأتي عن طريق معارضة بناءة رشيدة، تشارك في تقديم الحلول والأفكار، عبر المشاركة في حوارات مجتمعية، ومساعدة الحكومة على تجاوز الأزمات الاقتصادية، وبالطبع في مصر لن تجد هذا الدور بل لقد تحولت المعارضة إلى جماعات مصالح، يحركها الشيطان.
لننظر مثلا لدور المعارضة في الأزمة المالية الأمريكية الأخيرة، فقد وصلت الولايات المتحدة إلى سقف ديونها -17 تريليون دولار- أو ما يعرف بالهاوية المالية، وعلى الرغم من محاولات أوباما اقناع الشعب أن ما حدث كان نتيجة سياسات الجمهوريين منذ عهد جورج بوش الابن، إلا أن الجمهوريين لم ينتهزوا الفرصة لاسقاط أوباما وحزبه بل ارتفعوا على مصالهحم الخاصة وتحلوا بالمسئولية فاتفقوا مع الديمقراطيين على عدة إجراءات لتخفيف حدة الدين رغم رفضهم لها عدة مرات، ورغم أن حل المشكلة لن يكون في صالحهم بل سيعد انتصارا لمنافسيهم مما ينتقص من حظوظهم في الانتخابات القادمة، لكن حين تتحدث عن المصلحة الوطنية ترتفع المعارضة البناءة على مصالحها الذاتية.
وهنا يثور التساؤل: ألم يكن من الأولى على المعارضة المصرية أن تشارك في حوارات مجتمعية وحكومية حول الأولويات الاقتصادية التي ينبغي على الدولة الاهتمام بها حاليا؟، وأن تشارك في تحديد واختيار المشروعات القومية التي يجب على الدولة تبنيها في المرحلة الحالية، وهل الأولى البدء بمشروع تنمية إقليم السويس أم ممر التنمية أم وادي السيليكون أو تعمير سيناء....
إن المعارضة السياسية حين تتحول من معارضة إلى جماعات ضغط أو مصالح تفقد مكانها في صفوف المعارضة ويلفظها الشارع وتنتهي آمالها في الوصول إلى الحكم عبر الآليات الديمقراطية النزيهة، فلا يتبق أمامها إلا إحداث الفوضى وهدم الدولة فحين تكون فاشلا تتمنى فشل الجميع، فلا هي تركت غيرها ينجح ولا قدمت البديل الأكثر نجاحا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق