الاثنين، 21 يناير، 2008

طاهر الجزائري .. رائد علم الببليوجرافيا في العصر الحديث


أمل خيري

يمثل طاهر الجزائري مدرسة فكرية إصلاحية مستقلة أهلته لدور الريادة في التجديد الديني بالشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو يعد علما من أعلام الببليوجرافيا حيث يرجع الفضل إليه في إثراء الحركة المكتبية بالشام في العصر الحديث بإنشائه دار الكتب الظاهرية، كما يعد من رواد التربية والتعليم نظرا لجهوده في نشر العلم ومكافحة الأمية، وقد أحدثت حلقته الفكرية ثورة إصلاحية فكرية في بلاد الشام تتلمذ فيها على يديه كبار مصلحي ومفكري العصر.

النشأة والتكوين

ولد طاهر بن صالح بن أحمد حسين بن موسى بن أبي القاسم السمعوني الوغليسي الجزائري الدمشقي الحسني بدمشق في 20 من ربيع الآخر 1268هـ/11 من فبراير 1852م، ويعد والده صالح الجزائري من مشايخ عصره وقد أسند إليه منصب إفتاء المالكية في دمشق، كما كان منفردا بعلم الفلك والتاريخ في وقته وترك عددا من المؤلفات القيمة.

وفي هذه البيئة العلمية نشأ طاهر الجزائري حيث يعود لوالده الفضل الأول في تكوينه، وقد انتقل والده من موطنه الجزائر إلى دمشق قبل ولادة ابنه طاهر بقليل إبان نزوح عائلة الإمام عبد القادر الجزائري من الجزائر للشام بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر.

تلقى الجزائري تعليمه على يد والده حيث تعلم منه علوم الشريعة واللغة العربية ثم التحق بالمدرسة الرشدية (الابتدائية) ثم المدرسة الجقمقية الاستعدادية (الإعدادية) وتابع فيها دراسته، وتتلمذ على يد الشيخ عبد الرحمن البوسني فتعلم منه العربية والفارسية والتركية وتوسع في دراسة العلوم الشرعية، وبعد تخرجه اتصل بعالم عصره الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني الذي كان له أكبر الأثر في تكوينه العلمي وتوجيهه نحو الفكر الإصلاحي، حيث وجهه لدراسة الشريعة من أصولها بعيدا عن العصبيات المذهبية والبدع التي انتشرت في الفكر الإسلامي.

كما تردد الجزائري على مدرسة حكومية ثانوية (المدرسة الحربية) تعرف فيها على العلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافية والآثار، ودرس عدة لغات شرقية، وتعلم الفرنسية التي أعانته على اتصاله بالثقافة الغربية، كما تعلم الخطوط القديمة ليتمكن من قراءة المخطوطات، كما أحاط بمعرفة الكتب المدونة بالعربية المطبوع منها والمخطوط.

وهذه المعارف المنوعة التي استفادها أهلته ليكون موسوعة متنقلة حتى وصف بأنه "إنسيكلوبيديا سيارة"، وكان حريصا على اقتناء الكتب التي تعدت بضعة آلاف مجلد إضافة للنوادر المخطوطة، وكان لا ينفك عن مزاولة العلم في كل وقت من أوقاته ما بين قراءة وتنقيح وتنقيب وتأليف.

العالم المربي

بدأ الجزائري نشاطه العملي معلما في المدرسة الظاهرية الابتدائية عام 1295هـ/1878م وبدأ من خلالها يبث أفكاره الداعية للإصلاح والأخذ بأسباب العلم لنهوض المجتمع الإسلامي، وفي العام نفسه اتفق مع الشيخ علاء الدين عابدين وبهاء بك مكتوبجي الولاية على تأسيس جمعية علمية اجتماعية أسموها "الجمعية الخيرية الإسلامية" وانتظم فيها نخبة من علماء وأعيان دمشق، وذلك كاستجابة لتحدي النشاط التعليمي للإرساليات التبشيرية الأجنبية، وقد تلقت الجمعية الدعم من الوالي مدحت باشا وافتتحت الجمعية ثماني مدارس للذكور ومدرستين للإناث إدراكا منها لضرورة تعليم النساء ومشاركتهن في بناء الأمة.

وما لبثت الجمعية أن تحولت لديوان معارف في عام 1296هـ/1879م كجهة تابعة للإدارة العثمانية في ولاية سورية، وعين الجزائري مفتشا عاما على المدارس الابتدائية فكان دوره الرائد في تأليف كتب منهاج الصفوف الابتدائية في العلوم الدينية والعربية والرياضية والطبيعية.

كما أخذ على عاتقه مهمة تعليم المعلمين أصول التدريس وإعانتهم على حل المشاكل التي تواجههم أثناء التدريس.

وفي الوقت نفسه عمل على إقناع الآباء بوجوب إرسال أولادهم للمدارس لتلقي العلم، وهو ما ساهم في تنشيط الحركة التعليمية في سورية، كما سعى لإنشاء مطبعة حكومية قامت بطبع المؤلفات العامة والكتب المدرسية.

إثراء الحركة المكتبية

قضى الجزائري جل عمره في اقتناء الكتب والمخطوطات النادرة، وأهمه أمر تفرقها في المساجد والزوايا والبيوت فخشي عليها الضياع أو التلف أو النهب ففكر في جمعها في مكان واحد، فاختار المدرسة الظاهرية قرب الجامع الأموي فجمع فيها هذه المخطوطات وتحولت المدرسة الظاهرية فيما بعد إلى المكتبة الظاهرية.

وتعد المكتبة الظاهرية من أبرز وأجل أعمال طاهر الجزائري حيث عرفت بها دمشق لأول مرة في تاريخها الحديث كمكتبة عامة، وظل الجزائري يولي اهتمامه بالمكتبة فيبتاع لها ما يقع بين يديه من نفائس الكتب والمخطوطات، كما سعى لصنع فهارس لها حيث أدرك أهمية الضبط الببليوجرافي، ونتيجة لذلك اشتهرت المكتبة وقصدها العلماء والطلاب والمستشرقون الذين كانوا يراسلون الجزائري مراسلات خاصة ليطلبوا منه مخطوطات بعينها، ومنهم المستشرق جولدتسهير.

ولم يكتف الجزائري بالمكتبة الظاهرية بل دعا لتأسيس مكتبات عامة في كثير من المدن مثل حمص وحماة وطرابلس، وتولى وظيفة التفتيش على خزائن الكتب في سورية والقدس فساهم في إنشاء المكتبة الخالدية بالقدس، وهو ما جعله علما من أعلام الببليوجرافيا في العصر الحديث.

حلقة دمشق الكبرى

لم يكن الجزائري ينتهج نهج علماء عصره في الدعوة بإلقاء الدروس العامة في المساجد، بل اعتمد أسلوب الحلقة الفكرية أو الندوة، فكان يدعو إليها كبار علماء عصره بهدف تعلم العلوم الحديثة والتاريخ والتراث وسبل الانفتاح على الغرب، فارتاد حلقته كثير من العلماء المصلحين، وانضم لها العديد من شباب المثقفين والطلاب النابهين، ومن بين مرتادي حلقته محب الدين الخطيب ومحمد كرد علي وعبد الحميد الزهراوي وشكري القوتلي، وغيرهم من الدعاة والمصلحين والسياسيين، فكانوا يدعون للعدل والنظام وينددون باستبداد الحكام وسوء الإدارة. وعرفت الحلقة باسم حلقة الجزائري وأيضا باسم حلقة دمشق الكبرى وكانت تجتمع كل أسبوع بعد صلاة الجمعة في منزل رفيق العظم.

وبسبب نشاطه العلمي وأفكاره الإصلاحية التي سعى لبثها في عقول طلابه أثار عليه حفيظة العسكر فهاجموا بيته وعاثوا فيه فسادا فتوارى عن الأنظار فترة ثم عاد خفية لداره فباع كتبه ومخطوطاته وانتقل إلى مصر عام 1325هـ/1907م فأقام بها 13 سنة عكف فيها على القراءة والتأليف.

العالم الزاهد

لم يتخل الجزائري عن دعوته الإصلاحية في مصر فقام بمراسلة الخديوي عباس حلمي الثاني وأشار عليه بتأسيس مدرسة للغة العربية ودار للترجمة ومطبعة لطبع ما يترجم.

وفي مصر عزف الجزائري عن المناصب الحكومية فرفض عرضا بوظيفة في دار الكتب واكتفى بتحرير بعض الموضوعات في الصحف، وكان زاهدا يكتفي بالقوت الضروري مؤثرا شراء الكتب والمخطوطات على الطعام والملبس حتى عرف بارتدائه الثياب الرثة وكفاف طعامه، وحينما تضطره الحاجة للطعام كان يبيع مخطوطاته التي أفنى حياته في اقتنائها ليتقوت من ثمنها آبيا الثمن الغالي الذي كانت تعرضه مكتبة المتحف البريطاني وأمثالها من المؤسسات الأجنبية ليبيعها بنصف الثمن لدار الكتب المصرية حتى لا تخرج هذه المخطوطات من بلاد العرب.

منهجه في الإصلاح

وكما يقول عنه بعض معاصريه فإن للجزائري مزية يتفرد بها وهي أنه يترك أثرا من الخير أينما حل.

كما لم يسلك طريق الطفرة في الإصلاح فلم يدع للثورة بل رغب في العلم وحث عليه ليحارب به الجهل سالكا طريق الإصلاح التدريجي وفقا لمقتضى سنن الحياة.

نظر الجزائري لأدواء مجتمعه ووضع خطة عملية لعلاجها وساهم في تنفيذها، فرأى ضعف الروح المعنوية وضعف الانتماء يعود لجهل الناس بحضارة الإسلام فعمل على نشر التراث ومحاربة الأمية والتقليد الأعمى ومقاومة البدع والاتجار بالدين، ودعا إلى تجديد الدين بالعودة إلى منابعه الأصلية، مع إيمانه بمبدأ "الحكمة ضالة المؤمن" فدعا لاقتباس كل ما هو نافع.

وتميز الجزائري بعقل واع وهمة عالية مكنته من وضع مشروع حضاري نهضوي لعلاج الأمة يعتمد على تثقيف العامة مبتعدا عن المعارك العلمية والجدلية.

وعلى الرغم من مناداته بضرورة الحفاظ على الخلافة العثمانية فإنه دعا إلى إصلاحها. واشتهر بتشجيعه للناشئين، فكان كلما رأى مخايل النجابة في أحد سيره في طريق العلم، ومن شدة حبه للعلم لم يتزوج الجزائري ليتفرغ لتحصيل العلم والفكر.

كما عرف عن الجزائري تشجيعه للصحافة فكان يشجع الأثرياء على إنشاء الصحف، وكان له دور في إنشاء العديد من الصحف وظل يدعمها بالمقالات. إضافة لذلك كان له دوره الرائد في تشجيع حركة الترجمة فكان يدفع بالكتب لطلابه وأصدقائه ليترجموها إيمانا منه بدور الترجمة في الانفتاح على علوم العصر.

عاد الجزائري لدمشق عام 1337هـ/1919م بعد أحداث الثورة العربية الكبرى فعينته الحكومة العربية مديرا عاما لدار الكتب الظاهرية التي أسسها قبل أربعين عاما، كما قرر المجمع العلمي العربي ضم الجزائري إليه عضوا عاملا.

أمضى الجزائري أيامه الأخيرة في دمشق عاكفا على المطالعة والبحث وبعد رحلة معاناة مع المرض توفي في 14 من ربيع الآخر 1338هـ/5 من يناير 1920م ودفن بسفح جبل قاسيون.

التراث الفكري

ترك الجزائري ثروة نفيسة من المؤلفات والكتب المحققة والمخطوطات في علوم الدين والرياضيات والعلوم والخط والآثار إضافة إلى كتب المناهج الدراسية ومن أشهر كتبه الدينية "الجواهر الكلامية في العقائد الإسلامية" و"تفسير القرآن" في أربعة مجلدات و"الإلمام" في السيرة النبوية و"توجيه النظر إلى علم الأثر" و"التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن"، وفي الحساب والهندسة له كتب "مد الراحة لأخذ المسَاحة" و"مدخل الطلاب إلى فن الحساب". كما أن له "معجم أشهر الأمثال" وعدة كتب في القوافي والمجاز.

كما سعى الجزائري لتحقيق وإعادة نشر بعض كتب التراث مثل الفوز الأصغر لمسكويه، وروضة العقلاء لابن حبان، والذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني.

أما أفضل أعماله فتمثلت في كتاب مخطوط في عشرين مجلدا يبحث في نوادر المخطوطات ومحال وجودها ومزاياها، أسماها "التذكرة الطاهرية" وهي موجودة بحوزة المجمع العلمي العربي بدمشق، بالإضافة إلى 28 دفترا تركها بخطه في الخرائط الطاهرية.

وعلى الرغم من تصنيفه نحو أربعين كتابا فإن تلاميذه يعدونه مقلا في التأليف نظرا لغزارة علمه وثقافته الواسعة، وربما يعود ذلك لانشغاله بالتعليم ولأنه كان يرى أن تأليف الكتب لا يفيد إلا إذا جاء بجديد وبفكرة إبداعية تمثل إضافة لما هو قائم رافضا مجرد النقل من كتب السلف.

طاهر الجزائري يعد غرسة طيبة دمشقية المنبت، عربية الروح، إسلامية المنحى، وهو رائد التجديد الديني في بلاد الشام في العصر الحديث.

المراجع

1. خير الدين الزركلي. الأعلام، بيروت: دار العلم للملايين، 1406هـ/1986م، الجزء الثالث.

2. عمر رضا كحالة. معجم المؤلفين، بيروت: دار إحياء التراث العربى، بدون تاريخ، الجزء الخامس.

3. محمد خير رمضان. معجم المؤلفين المعاصرين، الجزء الأول، الرياض: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية، السلسلة الثالثة، 55، 1425هـ/2004م.

4. حازم زكريا محيي الدين. الشيخ طاهر الجزائري رائد التجديد الديني في بلاد الشام في العصر الحديث، دمشق: دار القلم، 1421هـ/2001م.

5. علي الطنطاوي. رجال من التاريخ، الجزء الثاني، جدة: دار البشير للثقافة، 1419هـ/1998م.

6. نقولا زيادة. أعلام عرب محدثون من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1414هـ/1994م.

7. آمنة أيوب خليل. طاهر الجزائري ودوره في الحركة المكتبية في ولاية سورية، مجلة العربية، محرم 1422هـ/مارس 2001م.

8. رغداء محمد أديب زيدان. طاهر الجزائري وحلقة دمشق الكبرى، الشهاب للإعلام.
http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=4&ID=33&UICollectionID=20

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق