الاثنين، 28 يناير، 2008

أحمد أمين .. مؤرخ الحركة العقلية للأمة الإسلامية


أحمد أمين
أمل خيري
أحمد أمين علم من أعلام الفكر والأدب العربي والإسلامي، وأحد رواد حركة التأريخ الإسلامي
بمنظوره الجديد الذي استحدثه بأبحاثه في تأريخ الحركة العقلية للعرب والمسلمين، فأثرى الفكر الإسلامي بروائعه الشهيرة فجر الإسلام وضحى الإسلام ويوم الإسلام وغيرها، كما مثل تيار المدرسة الوسطى في النهضة العربية بين مناصري مدرسة التغريب وبين تيار السلفية متبعا المنهج العلمي في البحث وداعيا لتجديد الحضارة الإسلامية.
النشأة والتكوين
ولد أحمد أمين إبراهيم الطباخ بالقاهرة في 3 من المحرم 1304هـ/مطلع أكتوبر 1886م، وكانت نشأته في كنف والد أزهري حافظ للقرآن يعمل في نسخ الكتب والمخطوطات، ومدرسا في الأزهر وإماما لمسجد الإمام الشافعي. دفع أمين بابنه لحفظ القرآن الكريم في كُتاب جوار منزله، وبعد ختمه القرآن التحق بمدرسة أم عباس الابتدائية النموذجية، وباستشارة بعض زملائه قرر والده أن يترك أحمد المدرسة لينتقل إلى الأزهر وكان في الرابعة عشرة من عمره.
وبدراسته هناك بدأ مرحلة جديدة من حياته، ولولا معاونة والده له في شرح ما عسر عليه فهمه لوجد صعوبة كبيرة في دراسته بالأزهر، لذا كان حاله أفضل بكثير من زملائه، إلا أنه كان ميالا لترك الدراسة بالأزهر، فانتهز فرصة أحد الإعلانات للتدريس بأحد مدارس طنطا فانتقل إليها مدرسا للغة العربية وهو في السادسة عشرة وبعدها بعامين التحق مدرسا بمدرسة راتب باشا بالإسكندرية.
وفي الإسكندرية أتيحت له الفرصة للتعرف على الشيخ عبد الحكيم محمد مدرس اللغة العربية بمدرسة رأس التين والذي تأثر به كثيرا.
من التدريس للقضاء
عاد أحمد أمين إلى القاهرة عام 1323هـ/1906م ليعمل مدرسا للغة العربية في مدرسة بنبا قادن الثانوية، ثم سنحت له فرصة الدراسة في مجال القضاء بافتتاح مدرسة القضاء الشرعي عام 1324هـ/1907م، فتقدم لها واجتاز امتحانا صعبا ونجح فيه، وفي هذه المدرسة ظهر نبوغه المشهود وتقدم للمحاضرة العامة أمام زملائه وأساتذته وفاز بتقدير ناظر المدرسة عاطف بركات، وكانت بداية لتعميق صلتهما معا.
تخرج أمين في المدرسة عام 1329هـ/1911م ، وعين مدرسا بها فزادت صلته بعاطف بركات الذي شجعه على قراءة كتب مترجمة في الأخلاق والتربية وعلم النفس ليلخصها ويقرأها على الطلاب في محاضرات، ومن هنا صمم أمين على تعلم اللغة الإنجليزية ليقرأ أصل الكتاب الأجنبي بدلا من ترجمته، وبذلك بدأ رحلته نحو الترجمة بكتاب في الفلسفة طبع عدة مرات، ثم انتقل أمين من التدريس بمدرسة القضاء إلى ممارسة القضاء ذاته فعمل قاضيا بمحاكم شتى بعواصم مصر.
لجنة التأليف والترجمة والنشر
وفي عام 1332هـ/1914م تعرف أمين على مجموعة من الشباب المثقف من ذوي الاهتمامات والمواهب المختلفة فاجتمعوا في بعض المقاهي يتبادلون فيما بينهم معارف متنوعة، وكانت هذه المجموعة نواة "لجنة التأليف والترجمة والنشر" التي أثرت الثقافة العربية واستطاعت نشر ما لم تستطعه هيئات حكومية كثيرة، فقدمت للقارئ العربي ذخائر الفكر الأوروبي في كل فرع من فروع المعرفة تقديما أمينا كما قدمت بدائع التراث العربي مشروحة مضبوطة محققة.
وتكونت هذه اللجنة من أسماء لامعة في الفكر والأدب من أمثال: طه حسين ومحمد فريد أبو حديد ومحمد أحمد الغمراوي والزيات وأحمد زكي والعبادي وزكي نجيب محمود وعبد الوهاب عزام... ومكث أحمد أمين أربعين سنة يتجدد انتخابه سنويا لرئاسة اللجنة، وحازت مطبوعات اللجنة التي زادت على مائتي كتاب الثقة؛ لذا فقد انتشرت وذاع صيتها.
في مجال الصحافة
تعد مجلتا الرسالة والثقافة من أجل آثار لجنة التأليف السالفة، فقد صدرت مجلة الثقافة في أربعة عشر عددا متوالية بعد صدور مجلة الرسالة ست سنوات حافلة بآثار أعضاء اللجنة، فبعد أن عاون أمين الرسالة معاونة كبرى رأى المجلة تكسب كثيرا ولا تعطي الكاتب شيئا ذا بال، وكانت الرسالة قد انتشرت بفضل جهود لجنة التأليف؛ لذا بادرت اللجنة بإصدار مجلة الثقافة في يناير 1939م، ورأس تحريرها أحمد أمين وأصبحت هي والرسالة منارتين للثقافة العربية الأمينة.
وتحولت المجلتان لساحة تزخر بكافة الاتجاهات والمساجلات الفكرية، فقد أثار أحمد أمين مسألة الفصحى والعامية ونادى بوجود لغة وسطى بينهما تيسر على العامة سبل الثقافة، وقد لاقى بالطبع معارضة من بعض المفكرين وعلى رأسهم عبد الوهاب عزام، ولكنه في الوقت نفسه رفض كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، كما كانت المعركة الفكرية بينه وبين زكي مبارك الذي اتهم أحمد أمين بسرقة أفكار طه حسين، وأحمد ضيف حين كتب سلسلة مقالات بعنوان " جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي" فرد عليه زكي مبارك بسلسلة مقالات جعل عنوانها " جناية أحمد أمين على الأدب العربي".
وقام أحمد أمين بجمع سلسلة مقالاته الأدبية في كتابه "فيض الخاطر" في عشرة مجلدات قاربت التسعمائة مقالة أحدثت صدى طيبا بين القراء.
مؤرخ الحركة العقلية
في عام 1344هـ/1926م وقع اختيار طه حسين على أحمد أمين للتدريس بكلية الآداب فتخصص في تاريخ الحركة العقلية للأمة الإسلامية، فأخرج فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام على نمط من التحليل العلمي لم يعرف من قبل في الدراسات العربية.
وامتد نشاط أحمد أمين الاجتماعي والعملي للعديد من النواحي فصار عضوا في مجالس الكليات والجامعات وشارك في مؤتمرات المستشرقين كما كان رحالة إلى شتى العواصم الإسلامية باحثا عن نفائس المخطوطات.
انتخب أمين عميدا لكلية الآداب فبذل جهده في تقدم الكلية فكريا واجتماعيا، وعمل على مراقبة الإدارات المختلفة ورعاية الأنشطة الاجتماعية الخاصة بالشباب.
ونتيجة لدقته الشديدة في مسألة الترقيات بين أعضاء هيئة التدريس حدثت خلافات بينه وبين طه حسين ثم استقال من عمادة الكلية حين وجد وزير المعارف يصدر قرارات تتعلق بهيئة التدريس دون الرجوع إلى مجلس الكلية وقال كلمته المشهورة" أنا أكبر من عميد وأقل من أستاذ".
اعتبر أحمد أمين فترة عمادته للكلية فترة جدب فكري حيث انقطع عن الكتابة والبحوث الخاصة بتاريخ الحركة العقلية؛ لذا فقد عاد أستاذا بالكلية وواصل بحوثه ودراساته.
وبعد عودته للكلية انتدبه وزير المعارف مديرا للإدارة الثقافية بالوزارة وأثناء إدارته بها واتته فكرة الجامعة الشعبية فرأى أن للشعب حقه في التعليم ورفض فكرة الدراسة المتدرجة التي ينبغي على الدارس أن يمر بكل مراحلها على الترتيب من الابتدائية فالثانوية حتى يكون له حق دخول الجامعة، فرأى أن تكون الجامعة الشعبية ميدانا لكل من يرغب في أن ينهل من منابع العلم دون التقيد بالسن أو الامتحان أو الشهادة، واقترح أن تكون المحاضرات شاملة لكل ما يهم المجتمع العربي وينمي ثقافته سياسيا واقتصاديا وأدبيا.
تقدم أحمد أمين بمشروعه الذي تفاني في بحثه حتى أخرج لحيز الوجود وتطور فيما بعد إلى ما أطلق عليه قصور الثقافة، لكن هذا التطور لم يؤد ثمرته المنشودة كما تصورها.
وبعد إنشاء الجامعة العربية عين أحمد أمين مديرا للإدارة الثقافية فعمل على إنشاء معهد للمخطوطات وأرسل البعثات لتصوير المخطوطات من مختلف المكتبات العالمية، كما عقد مؤتمرا ثقافيا يبحث في مناهج اللغة العربية والجغرافيا والتاريخ والتربية الوطنية في الأقطار العربية.
واختير لعضوية مجمع اللغة العربية في 1940م، وعضوا مراسلا في المجمع العربي بدمشق، والمجمع العلمي العراقي، وفي عام 1367هـ/1948م حصل على أول جائزة للدولة في الأدب عن كتاب ظهر الإسلام، وحصل على الدكتوراه الفخرية في نفس العام.
المدرسة الإصلاحية
توالت إسهامات أحمد أمين في عدة مجالات حتى بلغت الخمسين مؤلفا، شملت التاريخ الإسلامي والنقد الأدبي والأخلاق والفلسفة، وكان همه في الكتابة الإقناع لا مجرد التشويق والجذب، واتسمت كتاباته بمنهج نقدي تحليلي. وقد أثارت مؤلفاته التأريخية الهامة "فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام، ويوم الإسلام" جدلا بين المفكرين والأدباء بسبب منهجه الذي التزم فيه بجوانب ثلاثة: اجتماعية – علمية – دينية.
وفي مجال الأدب له كتاب "النقد الأدبي"، و"قصة الأدب في العالم" الذي اشترك في تأليفه مع الدكتور زكي نجيب محمود، إضافة إلى عدة كتب متفرقة مثل "الشرق والغرب" و"الصعلكة والفتوة في الإسلام" و"المهدي والمهدوية".
وفي مجال التربية كتب "إلى ولدي" وهو عبارة عن مجموعة من الرسائل الموجهة للأبناء المغتربين هادفة الإصلاح والتقويم، وفي مجال السيرة الذاتية أبدع أحمد أمين في كتابه "حياتي" الذي حاول فيه رسم صورة حية لجيل كامل والتأريخ لمرحلة هامة من مراحل النهضة العربية أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين بأسلوب علمي وتفكير موضوعي.
كما أسهم بدور بارز في مجال النشر والتحقيق، فنشر ديوان حافظ إبراهيم، والعقد الفريد لابن عبد ربه، والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، وخريدة القصر وفريدة العصر للعماد الأصفهاني، والهوامل والشوامل، والبصائر والذخائر، وحي بن يقظان، وغيرها.
ويدور فكر أحمد أمين حول الرسالة الإصلاحية، حيث دارت أغلب كتاباته حول العقيدة الدينية والإيمان العقلي؛ لذا ففكره يعد امتدادا لمدرسة الإصلاح حيث أعرب عن إعجابه البالغ بمنظري هذه المدرسة وأفكارهم كما ظهر في كتابه "زعماء الإصلاح" الذي قرر على طلاب المدارس لسنوات طويلة، إلا أن منهجه الاستقلالي في التعامل مع التراث الفكري للمدارس الإسلامية دعا البعض لانتقاده. ومن بين من انتقدوه بأسلوب علمي وموضوعي الدكتور مصطفى السباعي في كتابه "السنة ومكانتها في التشريع"، والشيخ محمد أبو زهرة ومحمد يوسف موسى وغيرهم، إلا أن البعض غالى في نقده واتهامه بأنه من أذناب المستشرقين.
وتتمثل أهم ملامح مشروعه الفكري في دعوته للفهم الصحيح للتوحيد ومناداته بالتضحية والبذل كمسلك لارتقاء الأمة، وأكد أنه لا تعارض بين القومية والعالمية، كما حذر من المدارس التبشيرية ورفض التعليم الأجنبي، ودعا إلى الاجتهاد في التشريع.
أصيب أحمد أمين في نهاية حياته بمرض في عينيه ثم علة في ساقه أقعدته، ولكنه لم ينقطع عن البحث والاطلاع والكتابة بمعاونة قارئ له، وانتقل إلى رحمة الله في 30 من مايو 1954م بعد عمر طويل بذله في خدمة العلم والأدب والتاريخ، تاركا تراثا عقليا وكنزا فكريا لا ينسى.
المراجع:
1. محمد رجب البيومي، أحمد أمين مؤرخ الفكر الإسلامي، دمشق: دار القلم، 2001م.
2. صلاح زكي أحمد، أعلام النهضة العربية الإسلامية في العصر الحديث، القاهرة: مركز الحضارة العربية، 2001م.
3. على مهنا وعلي نعيم خريش، مشاهير الشعراء الأدباء، بيروت: دار الكتب العلمية، 1990م.
4. محمد فتحي عثمان، السلفية في المجتمعات المعاصرة، الكويت: دار القلم للنشر والتوزيع، 1993م.
5. غيثة بلحاج، المرشد لتراجم الكتاب والأدباء، الدار البيضاء: معهد التسيير التطبيقي، سلسلة السنبلة، 1987م.
6. خير الدين الزركلي، الأعلام، بيروت: دار العلم للملايين، 1986م، الجزء الثالث.
http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=1&ID=23&UICollectionID=20

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق