الثلاثاء، 20 ديسمبر 2005

لحظة من فضلك .... هل أعددت الزاد قبل أن تدعو إلى الله ؟


( 2 ) القرآن الكريم

أمل خيري


- بعد لقائي السابق مع شيخي الكريم و حديثه عن الصلاة و معانيها عدت لنفسي محاولا أن أضع كل ما ذكره أمام عيني و حاولت أن أعيش مع الصلاة بروحي و قلبي و عقلي فأحسست أن روحي بدأت تحلق في السماء حتى أني أصبحت أرى الدنيا بمنظار كبير و نظرت للمدعوين أمامي بنظرة إشفاق كأني والد رحيم بأبنائه يحاول انتشالهم من هوة كادوا يسقطون فيها فعدت لشيخي أستزيده من حديثه العذب فقد وعدني أن يحدثني عن القرآن الكريم و كيف يمكن أن يزود الداعية بزاد روحي يعينه على مشاق دعوته.

** أهل القرآن:

- قلت لشيخي: حدثني عن فضل القرآن و أهميته؟

- قال الشيخ: إن القرآن الكريم هو نور العيون و شفاء الصدور و هدي النفس ألم تسمع معي قوله تعالى : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً ) و كذلك قوله تعالى ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبينا ) كما أن رسول الله أثنى على أهل القرآن فقال صلى الله عليه وسلم ( إن لله تعالى أهلين من الناس . قالوا : يا رسول الله : من هم ؟ قال : هم أهل القرآن أهل الله وخاصته ) .

- فقلت لشيخي :و هل قراءة القرآن في حد ذاتها هي التي تمد الداعية بالزاد؟

- فقال الشيخ: ليست كل قراءة يا بني ، ألم تسمع معي ما حدث به زياد بن لبيد الأنصاري حيث قال ذكر النبي شيئا فقال : " و ذاك عند ذهاب العلم " قلنا يا رسول الله كيف يذهب العلم و نحن قرأنا القرآن و نقرئه أبناءنا و أبناؤنا يقرئون أبناءهم؟ فقال : ثكلتك أمك يا بن لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة أوليس هذه اليهود و النصارى بأيديهم التوراة و الإنجيل و لا ينتفعون مما فيهما بشيء ؟ "

- قلت لشيخي : أتقصد أنه يجب القراءة بتفكر و تدبر ؟

- قال: نعم فقد قال الله تعالى ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته و ليتذكر أولو الألباب)

و آفة المسلمين اليوم أنهم فصلوا بين التلاوة و التدبر فأصبح المسلم يقرأ لمجرد التبرك و كما يقول الشيخ الغزالي لقد كان الأولون يقرأون القرآن فيرتفعون إلى مستواه أما نحن فنشده إلى مستوانا.

** مظاهر تأثر المشركين بالقرآن:

- سألت شيخي : و هل لتلاوة القرآن بتدبر أثر في إمداد الداعية بزاد روحي؟

- قال: لن تدرك ذلك إلا إذا رأيت مظاهر تأثير القرآن في نفوس أعدائه قبل أوليائه.

- قلت : كيف؟ و هل كان للقرآن تأثير على أعدائه؟

- قال: بلى فإن المشركين مع حربهم له ، ونفورهم مما جاء به كانوا يخرجون في جنح الليل البهيم يستمعون إليه والمسلمون يرتلونه في بيوتهم فهل ذاك إلا لأنه استولى على مشاعرهم ، ولكن أبى عليهم عنادهم وكبرهم وكراهتهم للحق أن يؤمنوا به ( بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون )كما أنهم ذعروا ذعرا شديدا من قوة تأثيره ونفوذه إلى النفوس على رغم صدهم عنه واضطهادهم لمن أذعن له ، فتواصوا على ألا يسمعوه ، وتعاهدوا على أن يلغوا فيه إذا سمعوه ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ).

** حال السلف مع القرآن :

- قلت : وماذا عن مظاهر تأثيره في نفوس صحابة رسول الله؟

- قال : من مظاهر تأثير القرآن في نفوس الصحابة :

تنافسهم في حفظه وقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة و تهجدهم به في الأسحار. وكان التفاضل بينهم بمقدار ما يحفظ أحدهم من القرآن . وكانت المرأة ترضى بل تغتبط أن يكون مهرها سورة يعلمها إياها زوجها من القرآن ،إضافة إلى عملهم به وتنفيذهم لتعاليمه ، في كل شأن من شؤونهم ، حتى صهرهم القرآن في بوتقته وأخرجهم للعالم خلقا آخر مستقيم العقيدة قويم العبادة طاهر العادة كريم الخلق، كما رأينا استبسالهم في نشر القرآن والدفاع عنه و ليس أدل على ذلك من النجاح الباهر الذي أحرزه القرآن الكريم في هداية العالم في زمن قصير جدا .

- قلت لشيخي هل لك أن تحدثني عن بعض أحوال السلف عند تلاوة القرآن؟

- قال :عن عبدالله بن عروة ببن الزبير : قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا القرآن ؟ قالت : ( تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله )

و قال محمد بن حجادة : قلت لأم ولد الحسن البصري ما رأيت منه - أي الحسن البصري - فقالت : رأيته فتح المصحف ، فرأيت عينيه تسيلان وشفتيه لا تتحركان .

** برنامج عملي لتدبر القرآن:

- سألت شيخي و لكن كيف وصل السلف لهذا الحال و هل نستطيع نحن أن نصل لما وصلوا إليه؟

- قال الشيخ: يقول ابن القيم:

(إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته و سماعه و ألق سمعك و احضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد ) )

- قاطعت شيخي قائلا : اعذرني شيخي فأنا شخص عملي أميل للجوانب التطبيقية فهل أجد برنامجا عمليا يجعل قلبي حاضرا عند تلاوة القرآن ؟

- تبسم الشيخ و قال : و أنا أيضا شخص عملي لذا سأدلك على الطريق فأنصت يرحمك الله.

اعلم أن لتلاوة القرآن آداب قلبية و أخرى ظاهرية.

أما الآداب القلبية فهي :


1 - الإخلاص لله في قراءته بأن يقصد بها رضا الله وثوابه ويستحضر عظمة منزل القرآن في القلب ،فكلما عظم الله في قلبك وخافه قلبك وأحبه كلما عظم القرآن لديك .


2 - التوبة والابتعاد عن المعاصي ،خاصة سماع الغناء والموسيقى وآلات الطرب واللهو التي تصد القلوب عن القرآن وتفهمه والتأثر به .


3 - أن يتفاعل قلبه مع كل آية بما يليق بها فيتأمل في معاني أسماء الله وصفاته حسب فهم السلف ويتأسى بأحوال الأنبياء والصالحين ويعتبر بأحوال المكذبين .. وهكذا .


4 - التأثر فيتجاوب مع كل آية يتلوها فعند الوعيد يتضاءل خيفة ، وعند الوعد يستبشر فرحا ويشتاق للجنة عند وصفها ، ويرتعد من النار عند ذكرها .


أما الآداب الظاهرية :


1- فيستحب أن يتطهر ويتوضأ قبل القراءة لما روى أن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمس القرآن إلا طاهر ( وينظف فمه بالسواك لأنه طريق القرآن.


2 - أن يستقبل القبلة عند قراءته لأنها أشرف الجهات.


3 - أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم.


4 - أن يتعاهد القراءة بالمواظبة على قراءته وعدم تعريضه للهجر .


5 - عدم قطع القراءة بكلام لا فائدة فيه واجتناب الضحك واللغط والحديث إلا كلاما يضطر إليه .


6 - أن يحسن صوته بالقرآن ما استطاع( زينوا القرآن بأصواتكم )، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنا وأن يرتل قراءته وقد اتفق العلماء على استحباب الترتيل (ورتل القرآن ترتيلا ) و قال رسول الله ( اقرأوا القرآن بلحنٍ حزين فانه نزل بالحزن).


7 - أن يحترم المصحف فلا يضعه على الأرض ولا يضع فوقه شيئاً ولا يرمي به لصاحبه إذا أراد أن يناوله إياه ولا يمسه إلا وهو طاهر .


8 - اختيار المكان المناسب مثل المسجد أو مكانا في بيته بعيدا عن الشواغل ويجب أن يكون المكان بعيدا عن ما يبعد الملائكة من صور معلقة وأجراس ....الخ

9 - اختيار الوقت المناسب والذي يتجلى الله فيه على عباده وتتنزل فيه رحماته ، وأفضل القراءة ما كان في الصلاة ، وأما القراءة في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل ، والنصف الأخير من الليل أفضل من الأول ، وأما قراءة النهار فأفضلها بعد صلاة الفجر .


10 - ترديد الآية للتدبر والتأثر بها .

** برنامج عملي للدعوة بالقرآن:

- قلت لشيخي : ما أروع هذا الكلام و لكن هل من نصائح عملية للداعية لكي يستفيد من تلاوته حين يتصدى لواجب الدعوة إلى الله؟

- قال الشيخ:

ينبغي على الداعية عند تلاوة القرآن ما يلي:

1 – تسجيل الخواطر والمعاني لحظة ورودها أو بعد الانتهاء من القراءة .

2 - محاولة تدوين كل آية مرت به لاستخراج العبر والعظات ليسهل له الرجوع إليها بعد ذلك .

3 - الحرص على حفظ الآيات في صدره و ذلك حتى يسهل عليه الاستشهاد بالآيات في موضعها عند حديثه.

4 - الإطلاع على تفسير معاني الكلمات و الآيات كتفسير ابن كثير وتفسير الطبري وتفسير ظلال القرآن لسيد قطب و غيرها.

5 - أن يصاحب من يعاونه على هذا الخير ويدله على الصدق ومكارم الأخلاق فإنه له أكبر الأثر في تعميق قراءة القرآن والتأثر به .

و تذكر بني الحبيب أنه بقدر إقبالك على القرآن يكون إقبال الله تعالى عليك، وبقدر إعراضك عن القرآن يكون إعراض الله تعالى عنك . قال خباب بن الأرت لرجل : تقرب إلى الله ما استطعت ، واعلم أنك لن تقرب إلى الله تعالى بشيء هو أحب إليه من كلامه .

وقال عثمان بن عفان : لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم .

وقال بعض السلف لأحد طلابه : أتحفظ القرآن ؟ قال : لا . قال : المؤمن لا يحفظ القرآن !!! فبم يتنعم !! فبم يترنم ! فبم يناجي ربه تعالى !؟ .

و تذكر قول ابن مسعود (ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون و بنهاره إذا الناس مفطرون و بحزنه إذا الناس يفرحون و ببكائه إذا الناس يضحكون و بصمته إذا الناس يخوضون و بخشوعه إذا الناس يختالون ).

قلت لشيخي : بارك الله فيك لقد أفدتني أعظم الإفادة و لكن هل لك أن تحدثني عن الزاد التالي؟

تبسم الشيخ و قال : دائما أنت عجول ؟! انتظرني في اللقاء القادم إن شاء الله.

المراجع:

1 – سعيد حوى ، المستخلص في تزكية الأنفس.

2 – ابن القيم ، الفوائد.

3 – محمد الغزالي ، كيف نتعامل مع القرآن؟.

4 - www.gesah.net/quran

5 - www.islamiyyat.com

6 - د. جاسم محمد الفارس ، التعامل مع القرآن الكريم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق