الأحد، 18 نوفمبر 2007

عبد القادر عودة .. رائد الفقه الجنائي في الإسلام


أمل خيري


يبقى عبد القادر عودة علما من أعلام الدعوة الإسلامية، ورائدا من رواد الفقه والتشريع الإسلامي في العالم العربي والإسلامي، ورمزا للثبات على الحق، متفانيا في دعوته مضحيا بروحه في سبيلها، وشهيدا وفيا لدعوته، صامدا في وجه الظلم والظالمين، وتظل ذكراه محفورة في الوجدان على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على استشهاده، ويظل تراثه الفكري منبعا صافيا ينهل منه طلاب العلم عبر السنين.

النشأة والتكوين

ولد القاضي الشهيد عبد القادر عودة سنة 1321هـ/1903م بقرية كفر الحاج شربيني من أعمال مركز شربين بمحافظة الدقهلية بمصر لأسرة عريقة تعود أصولها إلى الجزيرة العربية، وقد هاجرت إلى الشام وتفرقت في عدة دول مثل فلسطين وشرق الأردن وسيناء، بينما استقر الفرع الذي انحدر منه عبد القادر في محافظة الدقهلية. وقدمت عائلة عودة العديد من الأسماء اللامعة في سماء الفكر والحضارة، مثل الدكتور عبد الملك عودة أستاذ العلوم السياسية وعبد الغفار عودة نقيب الممثلين الأسبق، وهما أخوان غير شقيقين للشهيد، والدكتور خالد عبد القادر عودة أستاذ الجيولوجيا بجامعة أسيوط.

أكمل عبد القادر عودة دراسته الابتدائية بمدرسة المنصورة سنة 1330هـ/1911م، ثم اشتغل بالزراعة زمنا ثم عاد فواصل الدراسة وحصل على البكالوريا سنة 1348هـ/1929م وعلى إجازة الحقوق من جامعة القاهرة بدرجة الشرف سنة 1352هـ/1933م وكان من أوائل الناجحين، وعمل بالمحاماة فترة من الزمن، ثم انتظم في سلك النيابة العمومية، ثم عُين قاضيا وتدرج في سلك القضاء حتى صار رئيسا لمحكمة جنايات المنصورة.

تعرف على الأستاذ حسن البنا المرشد الأول لجماعة "الإخوان المسلمين" وكان عبد القادر من أحب الإخوان إلى البنا، وكثيرا ما كان يذكره بالفخر والاعتزاز. وظل عودة يشغل منصبه في القضاء، فلما تولى الأستاذ "حسن الهضيبي" منصب المرشد العام للإخوان المسلمين، كان عبد القادر أقرب الإخوان إلى قلبه، وفي عام 1370هـ/1951م أصبح وكيلا عاما للجماعة، وتبنى قيادة الإخوان المسلمين للعمل الجهادي ضد الإنجليز في قناة السويس، ثم ألح عليه الإخوان بضرورة التفرغ لمشاطرة المرشد أعباء الدعوة، فاستقال من منصبه الكبير في القضاء، وانقطع للعمل في الدعوة، مستعيضا عن راتبه الحكومي بفتح مكتب للمحاماة، لم يلبث أن بلغ أرفع مكانة بين أقرانه المحامين.

الفقيه الدستوري

وفي عهد رئيس مصر اللواء "محمد نجيب" عين عضوا في لجنة وضع الدستور المصري، وكان له فيها مواقف لامعة في الدفاع عن الحريات، ومحاولة إقامة الدستور على أسس واضحة من أصول الإسلام، وتعاليم القرآن.

وفي عام 1372هـ/1953م انتدبته الحكومة الليبية لوضع الدستور الليبي؛ ثقة منها بما له من واسع المعرفة، وصدق الفهم لرسالة الإسلام.

وطلب منه مكتب مرشد الإخوان أن يتناول اتفاقية عبد الناصر مع الإنجليز تناولا قانونيا بعيدا عن التحامل والتشهير؛ فجاءت الدراسة -التي سلمت إلى السلطات المصرية في ذلك الوقت- دراسة قانونية تبرز للعيان ما تجره الاتفاقية على البلاد من استبقاء الاحتلال البريطاني في مصر مقنعا مع إعطائه صفة الاعتراف الشرعية، فضلا عما يجره على مصر والبلاد العربية من ويلات الحروب دفاعا عن مصالح الإنجليز.

وحين احتدم الخلاف بين "الإخوان المسلمين" وجمال عبد الناصر بعد أن تنكر لهم ولدورهم في ثورة 23 من يوليو 1952م بدأ يتعرض عبد القادر للمحن؛ فقد انتقد محكمة الشعب التي نظمها جمال عبد الناصر في الصحف، وكان مما قاله فيها: إن رئيسها جمال سالم طلب من بعض المتهمين أن يقرءوا له آيات القرآن بالمقلوب.

كما اتهم بالمشاركة في حادث إطلاق الرصاص على عبد الناصر سنة 1373هـ/1954م، وحكم عليه بالإعدام شنقا يوم الخميس 9 من ديسمبر عام 1373هـ/1954م بسجن مصر بباب الخلق، وتقدم إلى منصة الإعدام وهو يقول: "ماذا يهمني أن أموت، أكان ذلك على فراشي أو في ساحة القتال.. أسيرا أو حرا، إنني ذاهب إلى لقاء ربي"، ثم توجه إلى الحاضرين وقال لهم: "أشكر الله الذي منحنى الشهادة.. إن دمى سينفجر على الثورة وسيكون لعنة عليها".

القاضي الفقيه

اشتهر عبد القادر عودة كعالم وفقيه ورجل قانون محنك وخطيب مفوه حصل على قدر كبير من المعرفة بالقوانين الجنائية في مصر، التي درسها طالبا ومارس تطبيقها قاضيا ومحاميا، وهو أحد أعلام الفقه الإسلامي المعاصرين، وقد دفعه حبه للشريعة الإسلامية إلى دراسة علوم الفقه الإسلامي، وأكسبته خبرته الواسعة في سلك القضاء بالمحاكم المصرية قناعة وإيمانا بضرورة إحياء علوم الشريعة والمبادرة إلى تطبيقها.

فبدأ في كتابة مجموعة من الكتب الموسوعية التي لا تستغني عنها أي مكتبة قانونية مثل "الإسلام وأوضاعنا القانونية"، و"الإسلام وأوضاعنا السياسية"، و"الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه"، و"المال والحكم في الإسلام"، وغيرها من الكتب والبحوث والدراسات والمقالات التي تكررت طباعتها مرات ومرات وترجمت إلى كثير من اللغات، بل إن العديد من طلبة الدراسات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي قدموا أطروحاتهم للماجستير والدكتوراه عن مؤلفات عبد القادر عودة باعتباره الرائد في هذا الميدان، وقلما تخلو رسالة جامعية أو كتاب مؤلف في الفقه الجنائي من الإحالة إلى أحد كتبه وخصوصا كتابه القيم "التشريع الجنائي في الإسلام" الذي اكتسب شهرة واسعة، ويعد بحق الكتاب الأول في التاريخ الفقهي الذي يتناول أحكام الفقه الجنائي الإسلامي بترتيبها الذي تعرفه كتب القانون الحديثة. وقد اكتسب الكتاب أهمية خاصة لأن الجزء الأول منه صدر قبيل استشهاده، وصدر الجزء الثاني بعد استشهاده بقليل، ولم تمض خمس عشرة سنة حتى كان الكتاب ملهما رئيسا للمشرعين والباحثين في عدد من الدول العربية والإسلامية، ثم ترجم إلى الفارسية والأردية والإنجليزية، ولا تكاد مكتبة تخلو منه.

واجب ومسئولية

بدأ عبد القادر عودة في إعداد كتابه "التشريع الجنائي في الإسلام" عام 1364هـ/1945م، وقد دفعه إلى ذلك أنه بعد تعمقه في دراسة الفقه راعه أنه وجد به المبادئ الأساسية وكذلك الأحكام التي درسها في القانون المصري ولكنها معروضة بصورة مختلفة عن كتب القوانين العصرية فشرع في إعداد كتابه هذا، وفي هذا يقول: "لقد شعرت بأن علي واجبا عاجل الأداء نحو الشريعة ونحو زملائي من رجال القانون، ونحو كل من درسوا دراسة مدنية، وهذا الواجب هو أن أعرض على الناس أحكام الشريعة في المسائل الجنائية، في لغة يفهمونها، وبطريقة يألفونها، وأن أصحح لرجال القانون معلوماتهم عن الشريعة، وأن أنشر على الناس الحقائق التي حجبها الجهل عنا زمنا طويلا".

خادم الشريعة

لم تقتصر جهود عبد القادر عودة على مجال الفقه الجنائي، بل إنه تصدى لفكرة إعادة إحياء الشريعة الإسلامية وتصحيح ما يدعيه الجهال على الشريعة من دعاوى غريبة، فكان أول كتاب له "الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه" الذي جمع فيه من أحكام الشريعة ما لا غنى عنه لمسلم مثقف، راجيا أن تصحح هذه الرسالة بعض المفاهيم المزروعة في أذهان المتعلمين علما مدنيا، وأن يكون فيها ما يحفز علماء الإسلام على أن يغيروا طريقهم، وينهجوا نهجا جديدا في خدمة الإسلام الحنيف في واقعنا الأليم.

ويستكمل القاضي الشهيد جهوده لإحياء الشريعة في كتابه "الإسلام وأوضاعنا السياسية" في محاولة منه لعرض نظرية الإسلام في الحكم بأسلوب عصري، موضحا أن أسلوب الحكم في الإسلام هو خير ما عرفه العالم، وأن كل نظريات الشورى الوضعية ليست شيئا يذكر بجانب نظرية الإسلام.

وفي كتابه" المال والحكم في الإسلام" يرى أن الحكم في الإسلام يقوم على أساس القرآن (المصدر الأساسي للتشريع)، ومبدأ الشورى، واحترام إرادة الأمة، ومن هنا فهو يرى أن الخليفة ينوب عن الجماعة ولا ينوب عن الله، وهي نفس الأفكار التي أكد عليها في كتابه "الإسلام وأوضاعنا القانونية"؛ حيث يقول: "سلطة المراقبة والتقويم سلطة مقررة للأمة، إذ يجب عليها مراقبة الحكام وتقويمهم بما أوجب عليها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنها مصدر سلطان الحكام باعتبارهم نوابا عنها فهم مسئولون أمامها".

إحياء تراث الشهيد

وفي محاولة لإحياء تراث الشهيد عبد القادر عودة قام الدكتور توفيق الشاوي أستاذ القانون الجنائي بإعادة إصدار كتاب الفقه الجنائي الإسلامي للقاضي الشهيد في ثوب جديد؛ ليقدم منه موسوعة شاملة بهدف إبراز ما تضمنه بحث الشهيد من معالم التجديد وإضافة آراء أخرى ودراسات جديدة ليتحول إلى موسوعة عصرية في الفقه الجنائي. وقد اختار الدكتور الشاوي أكمل الطبعات الإيرانية التي علق صاحبها (الإمام إسماعيل الصدر) على الكتاب بذكر أحكام المذهب الجعفري ليكتمل البحث الفقهي في موضوعات الكتاب كلها بين الفقه السني والفقه الجعفري) فأعد الدكتور الشاوي موسوعته المكونة من:

§ الأصل وهو كتاب الشهيد عبد القادر عودة.

§ تعليقات السيد إسماعيل الصدر.

§ تعليقات الدكتور الشاوي على الأصل وعلى التعليق الشيعي معا.

المراجع

1. جمعة أمين. أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين ج1، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002م.

2. عبد الله عقيل سليمان العقيل. من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002م.

3. الأعمال الكاملة للقاضي الشهيد عبد القادر عودة، القاهرة: المختار الإسلامي، 1994م.

4. محمد الصايم. شهداء الدعوة الإسلامية في القرن العشرين، مراجعة وتقديم محمد عبد الله السمان، القاهرة: دار الفضيلة 1992م.

5. عبد القادر عودة. مع تعليقات آية الله السيد إسماعيل الصدر؛ وآراء للدكتور توفيق الشاوي والمشاركين، الموسوعة العصرية في الفقه الجنائي الإسلامي؛ القاهرة: مركز السنهوري، دار الشروق 2001م.

6. مجلة الشهاب. القاهرة، العدد الثاني 1947م.

7. محمود عبد الحليم. الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ "رؤية من الداخل"، الجزء الثالث 1952-1971م، الإسكندرية: دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع، 1994م، ط3.

8. إبراهيم قاعود. عمر التلمساني شاهدا على العصر "الإخوان المسلمون في دائرة الحقيقة الغائبة"، القاهرة: المختار الإسلامي للطباعة والنشر والتوزيع، 1983م.

9. عمر التلمساني. ذكريات لا مذكرات، القاهرة: دار التوزيع الإسلامي، 1985م.
http://www.biblioislam.net/ar/Scholar/card.aspx?CriteriaId=5&ID=27&UICollectionID=20

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق