الأحد، 27 مارس، 2011

خمسة بولوتيكا (حول الدولة الدينية)


أمل خيري

سؤال وردني حول الدولة الدينية

أرجو التوضيح : في ناس كتير مجرد ما بتقولي دوله إسلاميه يقولولك عايزنها بقي زى إيران ولا زى السعوديه ولا زى ماليزيا ولا زى تركيا.... وبصراحة أنا مش شايفه أن تعريف الدوله ذات المرجعية الدينية اللي أحنا عايزنها ينطبق علي أي دوله في الأربعة اللي ذكرتهم أو علي غيرهم.... هل في نموذج فعلاً للدولة ذات المرجعيه الدينية طبعاً الإسلاميه في الواقع المعاصر وإيه تصنيف الأربع دول اللي أنا ذكرتهم؟؟؟

وللإجابة على هذا السؤال أؤكد على أن هناك اختلاف شديد بين الدولة الدينية والدولة ذات المرجعية الدينية:
الدولة الدينية يكون فيها تراتتبيات اكليركية (يعني مرجعيات ديني
ة فوق بعضها بالترتيب انتهاء بشخص يمثل المرجع الأعلى) وهذا غير موجود أصلا إلا في المسيحية والمذهب الشيعي لكنه غير موجود في المذهب السني نهائيا.

وبالتالي الدولة الدينية فيها كهنوت ورجال دين بمناصب تدرجية كل منها يعلو الآخر حتى ننتهي بشخص واحد يعتبر المرجع الأعلى أو السلطة الأعلى الذي لا يجوز مخالفته ممن هم أدنى منه منزلة.

هذا شرط قيام دولة دينية انه لازم يكون في دين بهذا الشكل الكهنوتي أو الكنسي والشيعة يتبعون ذلك أيضا فلديهم المرشد الأعلى ولديهم مرجعيات دينية شبيهة بالسلك الكهنوتي.

نأتي الآن للدولة الدينية وهي الدولة التي أيا كان نظام حكمها فإنها خاضعة لسلطة رجال الدين والمرجع الأعلى (كالمرشد الأعلى لإيران، أو البابا في الفاتيكان) له سلطة أعلى من سلطة الحاكم. وبالتالي لا يجوز على الحكومة مخالفة آرائه وإلا اعتبرت خارجة عن الشرع والدين.

ومن حق هذا المرجع الأعلى أن يعزل الحكومة وأن يعلن أحكام أو يضع قوانين إلزامية لها دون الرجوع للحكومة. وقد يوجد برلمان في الدولة لكنه شكلي ويتكون من رجال الدين الذين يتبعون مرجعهم الديني ويلتزمون بأقواله.

نأتي للدولة ذات المرجعية الدينية وهي الشكل الإسلامي الصحيح حسب المذهب السني. فهي دولة تعرف سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية لكن كل سلطة مستقلة عن الأخرى ولكنها مقيدة جميعا بالشرع

وعبارة مقيدة بالشرع أو ذات مرجعية إسلامية تختلف تماما عن الدولة الدينية المشار إليها سابقا. لأن الدولة المقيدة بالشرع حاكمها وحكومتها من أهل الخبرة ولا يشترط أن يكونوا فقهاء أو علماء أو شيوخ لأنه ليس في الإسلام ما يسمى برجال دين، وليس هناك شيوخ أعلى من شيوخ، ولا يوجد ممثل واحد أو مرجع ديني واحد بل هناك فقهاء ومفتون وكلهم يتساوون في المرتبة

الدولة الإسلامية منذ نشأتها وهي دولة ذات مرجعية دينية ولم تكن يوما دينية باستثناء فترة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه كان رئيس الدولة وفي الوقت نفسه نبي يتنزل عليه الوحي ورغم ذلك كان يترك أمور الدنيا ويقول (أنتم أعلم بشئون دنياكم) ولم يلزم بحكم في أمور الدنيا إلا ما نزل به الوحي. ولكن بمجرد وفاة الرسول انتهى هذا الأمر وتحولت الدولة إلى دولة مدنية بمرجعية إسلامية فالحكومة (السلطة التنفيذية) تشمل الولاة والجند ورؤساء الدواوين...، والسلطة التشريعية هم أهل الحل والعقد وهم من العلماء في كل فن والمختصين في كل شأن منهم الفقهاء، خبراء في الحرب، خبراء في التجارة، خبراء في الأسواق، سفراء..... ولا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من الفقهاء

أما السلطة القضائية فتتكون من قضاة فقهاء لأنهم ملزمون بالحكم بالشريعة من مصادرها وفي بعض الفترات كان يشترط للقاضي أن يكون فقيه مجتهد ليحكم في القضايا التي لم ينزل بشأنها وحي. لكن بعد استقرار الأحكام أصبح القاضي مقلد. وبالطبع كل من السلطة التشريعية والتنفيذية محكوم بن في النهاية بالشرع أي مطالبين بعدم الخروج عن أحكام الشريعة أو إصدار قوانين أو أحكام تخالف الشريعة

لو طبقنا ذلك على الدول الحديثة تكون الدولة ذات مرجعية دينية مثل السعودية التي لا يوجد فيها حكم ديني بالمعنى الإيراني ولكن هناك التزام بتطبيق أحكام الشريعة وكل القوانين مستمدة من الشريعة. وأي دولة يمكنها أن تكون بأي شكل من الأشكال: رئاسية ،برلمانية، مركزية، لا مركزية، ..... ولكن في النهاية مصدر تشريعاتها الأصلي من الإسلام ولا توضع قوانين تخالف شريعة الإسلام مثلا لا يمكن أن يصدر فيها قانون بمنع الحجاب، أو يصدر قانون بإباحة تداول الخمر أو بإباحة التعامل بالربا..... فكل هذه القوانين تكون باطلة في ظل الدولة ذات المرجعية الدينية. وبالتالي فأغلب الدول الإسلامية حاليا ليست ذات مرجعية دينية حيث نلاحظ إقرار التعامل بالربا، لا يوجد قواني تمنع الخمور أو الملاهي أو ما ينافي الشريعة بشكل عام وفي بعض الدول تصدر قوانين تناقض الشريعة. وبالتالي حين نطالب بدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية تعني دولة ديمقراطية تدار بحكم الأغلبية وبها سلطات مستقلة عن بعضها لكن كل السلطات ملتزمة بالشريعة ولا تخرج عنها

بالطبع لن نجد دولة تطبق نظام معين بحذافيره مثلما يقول الكتاب. معظم الدول خليط بين أنظمة متنوعة. مثلا فرنسا المفروض أنها دولة علمانية لكن رغم ذلك الدين حاضر عندها جدا ويفرض نفسه في كثير من سياسات الدولة. وطبعا السعودية ذات مرجعية دينية لكنها لا تطبق النظام الإسلامي كما يجب أن يكون هي تأخذ الجانب الشكلي فقط لكن الجوهر والمضمون بعيدة عنه تماما.عشان كده لا يوجد نموذج مثالي لدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية وتطبق الإسلام الصحيح حتى الآن . نحتاج فقط دولة واحدة تطبق ذلك وتنجح وستجدي بعدها كثير من الدول تحاول تقليدها. نموذج تركيا أقرب في أذهان الناس باعتبارها دولة علمانية ديمقراطية لكن الحكومة ذات مرجعية إسلامية أخذت الإسلام التطبيقي الصحيح وليس الشكل. لكن مع ذلك لا يعتبر النموذج التركي مثال لدولة ذات مرجعية إسلامية لأن العلمانية تفرض نفسها بقوة في جميع المجالات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق