الثلاثاء، 28 أغسطس 2012

زيارة الرئيس للصين هل تفتح أفاق الاستثمارات الصناعية؟


أمل خيري

جريدة الشعب - العدد السابع - 28 أغسطس 2012


"اطلبوا العلم ولو في الصين"، ربما يكشف هذ الحديث الشريف عن عمق العلاقات العربية الصينية وعلى ضرورة الاستفادة من الخبرات والتجارب المختلفة. وتأتي زيارة الرئيس مرسي الأخيرة للصين لتكشف عن تغيير جاد في السياسة الخارجية المصرية، خاصة أن هذه الزيارة تسبق الزيارة للولايات المتحدة، وهو ما يمكن تفسيره بأنه رسالة قوية من النظام الجديد أن مصر لم تعد تدور في فلك القطب الأمريكي بل تتجه حيث مصلحتها.


من هنا فإنه لابد من استثمار هذه الزيارة لتوسيع دائرة التعاون المصري الصيني على المستوى الاقتصادي، خاصة أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ نحو 8,8 مليارات دولار في عام 2011، منها 1,5 مليار دولار صادرات مصرية و7,3 مليار دولار واردات من الصين، وتتضمن أهم الصادرات المصرية للسوق الصينية القطن والرخام والأمونيا والبلاستيك، فيما تتضمن الواردات الملابس والسفن والتليفونات المحمولة والمنتجات النسيجية والجلدية. كما توجد 1133 شركة صينية تعمل في مصر باستثمارات تصل إلى حوالي 3,2 مليارات دولار في قطاعات الملابس والكيماويات والصناعات الغذائية والأدوية والتعدين والأثاث والاتصالات. وخلال العام الماضي ارتفعت الاستثمارات الصينية في مصر بمعدل60% مقارنة بعام2010 لتصل إلي80 مليون دولار.


وفي ظل حقيقة أن الصين تعد من أكبر دول النمور الآسيوية، حيث وصل معدل النمو الاقتصادي بها إلى 15% وهي من أكبر النسب عالميًّا، كما أن اقتصادها يحتل المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة، فإنه يتوجب على مصر العمل على زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين من جهة ومواجهة الخلل في الميزان التجاري بينهما من جهة أخرى وهو ما يتوقع من زيارة الرئيس الأخيرة.


يمكن الاستفادة أيضا من خبرات ومزايا السوق في هذا العملاق الاقتصادي، حيث تتمتع الصين بمميزات نسبية فيما يتعلق بقوانين الاستثمار ومنح الأراضي، وهو ما يمكن الاستفادة منه في جذب المزيد من الفرص الاستثمارية لمصر، وتوفير فرص جيدة لتشغيل العمالة المصرية.


أما الأمر الأهم الذي يجب أن توليه مصر بشأن التعاون مع الصين فيكمن في الاستفادة من تجربة الأخيرة في استثمار الطاقات البشرية والأيدي العاملة في بلد يتميز بالتعداد السكاني الكبير، من خلال إرسال البعثات المصرية العلمية والفنية لتلقي التدريب في الصين على التكنولوجيا من جانب، والتعرف على ركائز النجاح الذي حققته الصين في مجال المشروعات الصغيرة والمتوسطة من جانب آخر، إضافة إلى الاستفادة من تجربتها في تطوير العشوائيات ومكافحة الفقر.


يذكر أن العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية الحديثة تعود إلى أغسطس عام 1955 حيث قام وزير الصناعة والتجارة المصري محمد أبو نصير بزيارة للصين، ووقع الجانبان على اتفاق تجاري يقيم بمقتضاه كل طرف مكتباً تجارياً له لدى الطرف الآخر. وفي عام 1956 قامت الصين بمساعدة مصر في نضالها لاسترجاع قناة السويس؛ حيث قدمت الصين لمصر منحة مالية قدرها مليون فرنك سويسري، كما قدمت أيضا مبلغا ماليا قدره 10 مليون دولار كمساعدات لمصر في عامي 1967، و1973 أثناء حروبها مع إسرائيل.


وبعد فترة من التقلب في العلاقات تم فى عام 1999 التوقيع على اتفاق التعاون الاستراتيجي بين البلدين، خرجت بموجبه العلاقات الاقتصادية عن إطارها التقليدي المتمثل في تجارة الصادرات والواردات إلى الاستثمارات المتبادلة والمشروعات المشتركة، ومنها التعاون في المنطقة الاقتصادية غرب خليج السويس وإقامة شركات مصرية لفروع لها في الصين، ومنها شركة النساجون الشرقيون، وإقامة شركات صينية فروع ومراكز لها في مصر.


وفي عام 2008 بلغت إجمالى المنح التى قدمتها الصين لمصر حوالى 51,5 مليون دولار، وبلغ إجمالى القروض حوالى 230 مليون دولار. وعقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتحديدا في مارس 2011 أعلن نائب وزير خارجية الصين، "زهاي جون"، عن تقديم بلاده منحة لمصر بقيمة 9 ملايين دولار، كما خصصت الحكومة الصينية لمصر حوالي 18 مليون دولار لدعم الاقتصاد المصري، وإقامة مشروعات تنموية، وأكد سونج أيقون سفير الصين بالقاهرة أن أسواق بلاده مفتوحة أمام الإنتاج المصري خاصة من الموالح‏،‏ التي توجد أمامها فرصا غير محدودة لزيادة الصادرات المصرية منها‏.‏


كما قامت الحكومتان الصينية والمصرية في أبريل 2012 بتوقيع اتفاقيتين لمنح مصر منحتين لاترد بقيمة تعادل 16 مليون دولار، تخصص لتنفيذ المشروع الاستراتيجي لتخزين الأقماح والحبوب حيث يتم بناء 14 صومعة تخزين جديدة بما قيمته 14,5 مليون دولار، وإنشاء حديقة مصرية صينية بالأقصر تعمل علي جذب السياحة الصينية هناك وتصل تكلفتها الى نحو1,5 مليون دولار. ونأمل أن تزيد زيارة الرئيس للصين من هذه الاستثمارات خاصة الصناعية منها والتي من شأنها دفع عجلة النمو الاقتصادي المصري.

قرض صندوق النقد الدولي.. مخاوف مشروعة وبدائل مقترحة

هل تسير مصر على خطى ماليزيا أم تركيا؟


أمل خيري


جريدة الشعب - العدد السابع - 28 أغسطس 2012

على مدى أكثر من عام منذ انطلاق الثورة المصرية استمرت المفاوضات بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي حول حصول مصر على قرض قيمته أربعة مليارات وثمانمئة مليون دولار، إلا أن المفاوضات ظلت متعثرة نتيجة مخاوف عدة. وجاء اللقاء الذي تم الأربعاء الماضي بين الدكتور محمد مرسي وكريستين لاجارد رئيسة صندوق النقد الدولي بهدف التعرف على القيادة السياسية فى مصر، وتحديد السياسات العامة والإستراتيجيات للتعامل بين الصندوق ومصر، دون التطرق للتفاصيل الفنية والرقمية بحسب بيان صادر عن الرئاسة.


وقد أوضحت السيدة لا جارد أن الزيارة لا تهدف إلى الدخول فى التفاصيل الفنية، وإنما لإظهار الالتزام والدعم لمصر، لتثبيت الاستقرار وتحسين مناخ الثقة، مما يشجع المستثمرين، ويعمل على جلب وجذب الاستثمارات الخارجية إلى مصر، حيث يرى صندوق النقد أن مصر تعيش لحظة فارقة تحتاج إلى دعم كل المؤسسات فى العالم. وأكدت السيدة لاجارد فى المقابلة على أن صندوق النقد ملتزم بدعم ومساندة مصر فى فترة عملية التحول الديمقراطي التي تشهدها، وأن زيارتها تأتي لإظهار الثبات والاستقرار الذي يحظى به الاقتصاد المصري ، وأنهم يرون أن مصر تعيش لحظة فارقة.


لماذا الاقتراض؟


لجوء مصر للاقتراض من المؤسسة الدولية يأتي على ضوء ما تواجهه مصر من عجز في الموازنة العامة للعام المالي 2012/2013 يقدر بحوالي 141 مليار جنيه؛ حيث بلغ إجمالي حجم الموازنة 927,1 مليار جنيه، خصص منها للمصروفات 533,7 مليار جنيه، في حين بلغت الإيرادات 393,4 مليار جنيه فقط. يتزامن ذلك مع تضاعف العجز في ميزان المدفوعات في الفترة من يناير إلى سبتمبر 2011، ليصل إلى 11,2 مليار دولار (67,91 مليار جنيه) ارتفاعا من 5,5 مليار دولار (33,35 مليار جنيه) خلال نفس الفترة من العام السابق، مما أدى إلى تضاؤل ​​الاحتياطيات الدولية، كما ارتفع العجز في الحساب الجاري ارتفاعا حادا إلى 6,4 مليار دولار (38,80 مليار جنيه) من 4,7 مليار دولار (28,49 مليار جنيه).


كما سجل الاستثمار الأجنبي المباشر انخفاضا ملحوظا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2011، ليصل إلى 218 مليون دولار (1,32 مليار جنيه) مقابل 2,1 مليار دولار (12,73 مليار جنيه) عن العام السابق وذلك نتيجة عدم الاستقرار الذي شهدته البلاد خلال المرحلة الانتقالية. ويشار في هذا الصدد إلى أن الاحتياطيات الأجنبية قد تراجعت بشكل حاد منذ يناير 2011 بقيمة لا تقل عن 21,7 مليار دولار، وفي ظل كل هذه المعطيات لجأت الحكومة للاقتراض المحلي، ويشير التقرير المالي الشهري الصادر عن وزارة المالية لشهر يوليو إلى ارتفاع نسبة الدين المحلى لأجهزة الموازنة العامة ليصل إلى 70,5 % من الناتج المحلى فى نهاية مارس 2012 مسجلاً 1098,4 مليار جنيه (1,098 تريليون جنيه)، مقارنة ب 932,6 مليار جنيه فى نهاية مارس من العام الماضى، فيما بلغ رصيد الدين الخارجي 33 مليار دولار.


وعلى الرغم من المبررات القوية التي تدفع باتجاه المضي قدما في الحصول على القرض من المؤسسة الدولية إلا أن هناك العديد من الخبراء والقوى السياسية أبدوا رفضهم لهذه الخطوة، مذكرين بما أدت إليه سياسات الصندوق من إفقار دول أمريكا اللاتينية، والعديد من الدول الأخرى في شرق أوروبا، وهناك بعض النشطاء الذين قدموا مبادرات تقترح بدائل للقرض.


ومن بين هذه المبادرات ما كتبه وائل جمال في ورقة بعنوان "برلمان ما بعد الثورة والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – العلاقة مع المؤسسات الاقتصادية الدولية"، والتي قدمت لمنتدى البدائل العربي للدراسات في مايو ٢٠١٢، وما ورد في مذكرة مقدمة من الحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر لمجلس الشعب في فبراير ٢٠١٢ بعنوان "مقترحات بديلة عن الخطة الحكومية للإصلاح الاقتصادي" والتي أعدها رضا عيسى وعمرو عادلي.


ومن أهم هذه البدائل تخفيض دعم الطاقة للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، فبحسب تقدير رئيس هيئة التنمية الصناعية السابق في 2007 فإن نصيب أربعين مصنعا عاملا في قطاعات الأسمنت والحديد والأسمدة والبتروكيماويات يبلغ نحو 75% من إجمالي دعم الطاقة للقطاع الصناعي وحوالي 65% من إجمالي دعم الكهرباء، وهذا الدعم بالطبع ترجم إلى أرباح صافية لهذه المصانع التي أضافت إلى ذلك تورطها في ممارسات احتكارية. وهناك العديد من البدائل الأخرى كفرض ضريبة 10% على الثروات التي تتعدى 50 مليون جنيه تفرض مرة واحدة في العمر، ومراجعة عقود تصدير الغاز مع الأردن وإسبانيا والتي تصيب الجانب المصري بخسائر لا تقل عن ملياري جنيه سنويا، كما يمكن فرض ضريبة تصاعدية على الدخل تصل بشريحتها العليا إلى 35% مما يوفر للميزانية 10 مليارات جنيه سنويا، بالإضافة إلى تفعيل الضريبة العقارية على ملاك المنتجعات السياحية والمجمعات السكنية الفاخرة.


وينتقد البعض اتجاه الرئيس والحكومة للمضي في إجراءات القرض على الرغم من رفض حزب الحرية والعدالة من قبل لهذا القرض إبان حكومة الجنزوري، غير أن الحزب بالفعل لم يرفض القرض ولكنه اشترط للموافقة عليه أن يتم تحديد بنود إنفاقه بشفافية، وأن يتم اللجوء إليه بعد استنفاذ كافة البدائل الأخرى، كما ذكر مصطفى النجار عضو مجلس الشعب في تدوينه له على موقع الفيسبوك "حقائق للتاريخ الإخوان أوقفوا تسلم القرض اثناء حكومة الجنزورى وقالوا لصندوق النقد لا نثق فى حكومته، نفضل أن يكون القرض عقب تشكيل حكومة جديدة"، بالإضافة إلى الصندوق نفسه اشترط وجود حكومة جديدة ورئيس منتخب قبل اتمام توقيع العقد وهو ما دفع برئيسة الصندوق للإسراع بزيارة مصر عقب الإطاحة بالمجلس العسكري.

وفي ظل حقيقة أن التعاقد على مثل هذا القرض ينبغي مناقشته في البرلمان قبل أن تمضي الحكومة في تنفيذه فإن حل مجلس الشعب قد صعب المهمة على الحكومة وجعلها في موقف لا تحسد عليه، فهي من جهة تريد التوقيع على القرض لتوفير السيولة اللازمة للاستثمارات، ومن جهة أخرى تواجه بالرفض والتخوفات من قبل القوى السياسية.


القروض الربوية


من جانبه أكد الدكتور حسين شحاتة الأستاذ بجامعة الأزهر في بحث له بعنوان "الإقتراض من صندوق النقد الدولي في ميزان الاقتصاد الإسلامي" أنه في حين يرى جمهور الفقهاء أن فائدة القرض هى عين الربا المحرم شرعا إلا أنهم وضعوا عدة ضوابط شرعية لتعريف الضرورة التى تبيح التعامل فى القروض بفائدة، ومن بينها أن تكون الضرورة ملجئة أو تؤدي لمشقة، وأن تكون قائمة لا منتظرة، وألا يكون لدفع الضرر وسيلة إلا ارتكاب هذا الأمر، وأن تكون قد سدت كافة السبل الحلال المتاحة والوصول إلى مرحلة الضرورات لتطبيق القاعدة الشرعية :"الضرورات تبيح المحظورات".


وقدم الدكتور حسين شحاتة العديد من الحلول البديلة لزيادة الموارد والاستغناء عن الاقتراض بفائدة ربوية في مصر، من أهمها ترشيد الانفاق الحكومي بتطبيق فقه الأولويات الإسلامية، وضم موارد الصناديق الخاصة إلى موارد الموازنة العامة، ومحاربة الفساد المالي والاقتصادي المستشرى في ربوع الوحدات الحكومية ولا سيما في المحليات، وتطبيق نظام الضريبة التصاعدية على الأغنياء وإعفاء الفقراء من هم دون حد الكفاية من الضرائب الظالمة، وإعادة النظر في ضريبة المبيعات بحيث يزيد عبؤها على السلع والخدمات الكمالية ويخفف عبؤها من على السلع والخدمات الضرورية التى تهم الطبقة الفقيرة، وتطبيق نظام الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور بما يحقق العدالة الاجتماعية، وإعادة النظر في سياسات الدعم والذي يستفيد منه الأغنياء ولا سيما كبار رجال الأعمال والذي لا يصل إلى الفقراء، وإعطاء الأمان لأموال المصريين في الخارج وغيرهم والتى هربت بسبب قهر وظلم وفساد النظام السابق، وتطبيق قاعدة لا كسب بلا جهد ولا جهد بلا كسب بحيث يعاد النظر فيما يعطي للمستشاريين الموجودين في الوزارات والمصالح الحكومية من مكافآت بدون منفعة، وفرض ضريبة على المعاملات قصيرة الأجل الوهمية في البورصة، كما يدعو شحاتة إلى تطبيق نظام الزكاة والوقف الخيرى للمساهمة في التنمية الاجتماعية، مما يخفف من الأعباء على موازنة الدولة. أما في حالة عدم كفاية موارد هذه السبل البديلة، فإنه حينئذ يطبق فقه الضرورة بالضوابط الشرعية للإقتراض بفائدة، والتي سبق الإشارة إليها.


بين التجربة الماليزية والتركية

وفي مقابل رفض القرض هناك أصوات أخرى لا ترى فيه غضاضة بل تعتبره بمثابة شهادة ثقة لدى المؤسسات الدولية والجهات المانحة في الاقتصاد المصري مما يشجع على ضخ المزيد من الاستثمارات، خاصة أن القرض له فترة سماح 39 شهر، وهو ما يعني أنه لو استطاعت مصر أن تجتذب الاستثمارات خلال هذه الفترة وتسدد القرض فلن تدفع مقابله فائدة، بالإضافة إلى أن فائدة القرض تبلغ 1,1% وهو من أقل المعدلات، ويكفي أن نقارنها بمعدل الفائدة على الدين المحلي الذي يبلغ 12%، بالإضافة إلى أن الصندوق لم يفرض أية شروط على مصر.


وما بين قبول القرض أو رفضه يمكننا استحضار التجربتين الماليزية والتركية في هذا الصدد، حيث يقدم النموذج الماليزي الدليل على إمكانية الاستغناء عن القرض، في حين تدلل التجربة التركية على أهمية القرض.


نتذكر جميعا الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي شهدتها دول النمور الآسيوية ومن بينها ماليزيا عام 1997، والتي ترتب عليها انهيار العملات المحلية وارتفاع الديون الخارجية، وقد أدت الأزمة إلى انكماش الاقتصاد الماليزي بنسبة 6,2%، مما حدا بصندوق النقد أن يتقدم عارضا المساعدة على الحكومة ممليا شروطا مجحفة رفضتها الحكومة آنذاك، التي قامت في المقابل بتأسيس مجلس قومي لإدارة السياسة الاقتصادية في البلاد، وقد استطاعت الحكومة تنفيذ عدد من السياسات خاصة في جانب مكافحة الفساد وإعادة توزيع الثروات، وسياسة إحلال المنتجات الوطنية محل الواردات، مما أدى إلى استعادة الاقتصاد الماليزي عافيته في عام 2000، وتعدى معدل النمو الاقتصادي 8%.


في الجهة الأخرى تبرز التجربة التركية لتدلل على دور القروض في انعاش الاقتصاد، حيث واجهت تركيا أزمة اقتصادية مماثلة في أواخر التسعينيات، ترتب عليها انهيار للجهاز المصرفي وإفلاس العديد من البنوك والشركات الخاصة وارتفاع معدلات التضخم لأكثر من 100%، مع انهيار الليرة التركية، حتى أن سعر الدولار ارتفع مقابل الليرة التركية من 0,690 ليرة تركية إلى 1,7 ليرة تركية في ليلة واحدة!، وبالتالي فقد المجتمع الدولى ثقته فى الاقتصاد التركى.


من هنا لجأت تركيا للاقتراض من صندوق النقد واستطاعت بفضل هذا القرض استعادة الثقة في اقتصادها مما أدى لتدفق الاستثمارات الأجنبية للبلاد ووفر سيولة للمشروعات التنموية والاستثمارية حتى أصبحت من أقوى الاقتصادات العالمية، بل وقررت الحكومة التركية مؤخرا تقديم قرض لصندوق النقد بقيمة 5 مليارات دولار وقال بولنت أرينتش نائب رئيس الحكومة التركية في تصريح لوكالة الأنباء التركية أن اقتصاد بلاده مر بفترات حرجة جدا حيث كانت أنقرة تطرق الأبواب لإيجاد مليون دولار فقط لكنها وصلت الآن إلى مستوى اقتصادي جيد جعل صندوق النقد الدولي يطلب منها قرضا قيمته 5 مليارات دولار، مشيرا إلى أن الحكومة التركية وعدت الصندوق بإقراضه بالمبلغ المطلوب عن قريب. 


ربما تقدم التجربتان الماليزية والتركية مسارين متباينين يمكن للحكومة المصرية أن تختار من بينهما إلا أن الرسالة الأهم التي نريد توجيهها للحكومة ضرورة أن تتخذ إجراءات نحو مزيد من الشفافية أثناء هذه المفاوضات وألا تقع في نفس ما وقعت فيه حكومة الجنزوري من عدم توضيح الشروط التي يمليها الصندوق وبنود إنفاق القرض، كما يمكن لمصر على سبيل المثال أن تطلب من تركيا مباشرة إقراضها الخمسة مليارات دولار التي تعتزم تقديمها للصندوق مقابل المزيد من الاستثمارات التركية في مصر بدلا من الإذعان لشروط الصندوق. 

مع زيارة "لاجارد" للقاهرة نشطاء يجددون دعوتهم لاسقاط ديون مصر




أمل خيري

جريدة الشعب -العدد السابع - 28 أغسطس 2012


أعادت زيارة رئيسة صندوق النقد الدولي لمصر النشاط للحملة الشعبية لإسقاط ديون مصر الخارجية، والتي تم تدشينها نهاية العام الماضي تحت شعار "فتح عينك.. الدين من جيبك"، وذكر أعضاء الحملة في موقعهم على الانترنت أن الاقتصاد المصري يتحمل عبء دين خارجي يقدر بخمس وثلاثين مليار دولار على حسب تقديرات البنك المركزي المصري، وأن مصروفات خدمة الدين تتعدى 18 مليار جنيه سنويا. وتؤكد الحملة أن هذه الديون نتيجة مباشرة لسياسات نظام مبارك حيث تم اللجوء للاقتراض كمسكن لمكلات مصر الاقتصادية دون تقديم حلول جذرية لها، في الوقت الذي انتشر فيه الفساد في جميع القطاعات والمؤسسات ومن بينها الفساد الذي شاب عمليات الاقتراض نفسها.

من أجل ذلك قامت مجموعة من المصريين ومنظمات المجتمع المدني المهتمين بالشأن العام وبمستقبل العدالة الاجتماعية في البلاد بتدشين حملة شعبية لتكوين مراكز ضغط شعبية محلية ودولية لدى كل الدول والمؤسسات الدائنة لمصر لمراجعة وإسقاط ديون مصر، التي تمت في عهد مبارك باعتبارها ديون غير شرعية، ويمكن التواصل مع الحملة على صفحتها الفيسبوك (www.facebook.com/DropEgyptsDebt).

من الجدير بالذكر أن هناك بعض الدول التي نجحت في مراجعة الديون التي تراكمت أثناء حكم ديكتاتوري مثل الأرجنتين والإكوادور. فعلى سبيل المثال قامت الإكوادور بتشكيل لجنة لمراجعة ديونها عقب الإضراب العام الذى أطاح بالرئيس لوسيو جوتيريز عام 2005، وقد يسرت اللجنة على الحكومة الامتناع عن سداد ما أسمته بالديون الكريهة (وهي القروض التي تم تقديمها لنظام حكم لا يمثل شعبه، أو التي تم إنفاقها لمنفعته فقط على حساب الشعب)، وتمكنت اللجنة من التوصل لاتفاق نجم عنه تخفيض أكثر من ثلثي ديونها الخارجية. نفس الأمر تكرر مع الأرجنتين التي اختارت تعليق ديونها العمومية من طرف واحد فيما بين عامي 2001 -2005، وذلك حتى لا تتم التضحية بحاجيات مواطنيها، وقد تمكنت بفضل هذا الإمهال من أن تمضي قدما نحو النمو الاقتصادي.

وعلى غرار الحملة التي أطلقتها تونس لإسقاط ديونها بعد الإطاحة ببن علي، قامت الحملة المصرية بتجديد مطالبتها بإسقاط ديون مصر الخارجية التي تمت في عهد مبارك، ودعت الحملة إلى تشكيل لجنة عليا لمراجعة هذه الديون والضغط على المؤسسات الدولية والجهات المانحة لإسقاط أو تخفيض هذه الديون التي شابها الفساد في ظل نظام حكم ديكتاتوري.

من جهة أخرى طالبت الدكتورة هبة رؤف أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة برفض قرض الصندوق وأعلنت عن حملة سندات شعبية بقيمة 5 مليارات دولار؛ وقالت أننا إذا كنا جادين بشأن الإصلاح فالشعب الذي تبرع عبر تاريخه لغايات عربية واسلامية قادر على دفع ثمن استقلاله، لذا فقد اقترحت صكوك ملكية عامة للمشروعات، وذكرت رؤف في تدوينة لها على موقع تويتر "Top of Form

القروض لا تُمنح مجانا.. حتى ولو بشروط ميسرة. وأمور الاقتصاد أخطر من أن تترك للاقتصاديين. نساء مصر قادرات على جمع 5 مليارات".

واضافت "أعلن أنا المواطنة هبة رءوف استعدادي لتقديم 30 ألف جنيه مصري لبدء صندوق وطني لدعم المشروعات التي سيذهب لها القرض المقترح من صندوق النقد"، وقالت: "سأضع المبلغ الذي اقترحته تحت تصرف رئيس الجمهورية ولا أريد عائد لمدة خمس سنوات وبعدها نتفاهم. أمهاتنا تبرعن بالذهب لكفاح الجزائر وفلسطين، أنا من الطبقة الوسطى أعيش على دخلي الشهري والمبلغ هو كل قيمة ما أملك من ذهب. سأمنحه للوطن ولا يرث أولادي ديونه. الاقتصاد لا يترك للاقتصاديين، كفاية عك وقروض. مصر فيها أموال. سندفع من أجل تحرر مصر واستقلال قرارها وإرادتها ونهضة مشروعات قومية وندعم هذا الوطن حتى يصبح في صدارة الأمم".

ومع تقديرنا لوطنية الفكرة وإخلاص صاحبتها إلا أن مثل هذه الحملات عادة لا تكون فعالة بالصورة التي تؤدي لجمع المليارات في غضون فترة قليلة، كما أنها تحتاج لحملات دعائية ودعم شعبي موسع، وهو ما لا يمكن التنبؤ بحدوثه في ظل حالة الاستقطاب الحاد التي تشهدها البلاد، ويمكننا أن نسترجع ذكريات حملة شبيهة أطلقها الشيخ محمد حسان العام الماضي ولاقت استهجان بل وسخرية الكثيرين وقتها.

وفي ظل ضعف ثقة المواطن في الاقتصاد على مدار العقود الماضية فليس هناك ما يدفع مواطن لتقديم مدخراته للدولة بمعدلات فائدة ضعيفة جدا أو بدون فائدة في الوقت الذي يمكنه أن يضعها في أحد المصارف ويقتات على أرباحها، ثم ما الجدوى من أن نجمع أموال المواطنين بدلا من أن يوجهونها نحو الاستثمار بأنفسهم في مشروعات صغيرة ومتوسطة تعود على الاقتصاد بالنفع؟ أليس في هذا مزاحمة من الحكومة للقطاع الخاص بدلا من تشجيعه؟. 

 

الثلاثاء، 21 أغسطس 2012

عالم مصري يبتكر أول شبكة اجتماعية لحماية المستهلك



أمل خيري
جريدة الشعب - العدد السادس
على خطى الفيس بوك ظهرت العديد من المحاولات لإنشاء شبكات اجتماعية منافسة، إلا أنها لم تحقق النجاح المطلوب لتكرارها نفس الفكرة، غير أن الجديد هذه المرة في الشبكة الاجتماعية التي تم تدشينها مؤخرا، قيامها على فكرة مبتكرة وهي العمل على حماية المستهلك المصري، وهو مشروع علمي ضخم بأيدي مصرية مائة بالمائة.
والمشروع عبارة عن شبكة اجتماعية الكترونية متخصصة في حل مشكلات المنتجات والخدمات، وتعود الفكرة للدكتور محمد فياض عالم البرمجيات المصري وأستاذ هندسة الحاسوب بجامعة سان خوسيه الأمريكية، والذي يقوم بتمويل المشروع ويعمل فيه مع فريقه المكون من محمد حمدي ومحمد إلياس.
وتتلخص أهداف الشبكة التي تحمل اسم "إيه!" “Aeeh!”  في حماية  حماية المستهلك بما يتعلق بالمنتجات والخدمات، و تعميق أهمية الإنسان وإيصال صرخته للمسئولين وشكواه مدعما هذه الشكوى بأدلة من الصور والفيديو، مما يؤدي إلى تحسين الخدمات وترشيد الإنتاج بما يتناسب مع المستهلك، بالإضافة إلى تفعيل دور أقسام متابعة إحتياجات المستهلك في الشركات، كما تسعى الشبكة إلى مد الناس بالمعرفة عن أضرار ومنافع منتج أو خدمة ما قبل شراء المنتج أو الاستفادة من الخدمة، ومن ثم ترقية المجتمع، وإيقاظ صحوة الضمير.
إذن الشبكة ببساطة هي تجمع افتراضي للمصريين يعبرون فيه عن آرائهم بخصوص المنتجات وجودتها، وعلى المستهلك قبل أن يقدم على عملية شراء أي سلعة أن يسجل دخوله للشبكة ويتعرف على آراء الناس حولها سواء كانت إيجابية أو سلبية، ومن ثم ستعمل هذه الشبكة بمثابة جهاز بديل لحماية المستهلك في ظل التعتيم الإعلامي حول المنتجات، كما أن هذه الشبكة ستجبر أقسام الشكوى في الشركات على الاستماع لآراء الناس حول المنتجات التي تقدمها هذه الشركات والعمل على تحسين جودتها لتلبي تطلعات المستهلك، ورابط الشبكة الالكتروني هو www.aeeh.net.
وقد بدأ بالفعل المواطنون بإضافة منتجات والتعبير عن آرائهم فيها سلبا وإيجابا، والتي تنوعت بين أنواع الموبايلات وعروض شركات المحمول وماركات الساعات، ومطاعم الوجبات السريعة، وصولا إلى الأدوية والعقاقير الطبية، خاصة أدوية البرد. وهناك العديد من الشكاوى حول تباين أسعار المنتجات بين البائعين لنفس السلعة مما جعل المستهلكين يطالبون بتفعيل الرقابة على الأسعار وتوحيد التسعيرة، كما يقوم المشتركون بتقييم الخدمات العامة والشكوى من سوء الخدمات، كسلم مترو الأنفاق الكهربائي الدائم التعطيل، والكراسي الجديدة في محطات المترو التي تم خلعها واحدا تلو الآخر، وأيضا عدم مناسبتها للجلوس لصغر حجمها.
وبخفة الدم المعهودة في المصريين تجد صور مضافة بتعليقات ظريفة امتدت حتى للتعليق على الانقطاع المتكرر للكهرباء وانتشار القمامة في الشوارع وكذلك ركوب الرجال في عربات السيدات بمترو الأنفاق. ويستطيع المشترك في الشبكة أن يبحث في التصنيفات المختلفة عن المنتج الذي يقرر شرائه ليتعرف على آراء من سبقوه بالشراء، ويمكنه كذلك إضافة شكواه بخصوص سلعة قام بشرائها ويتبادل النقاش مع غيره من المشتركين، مع إضافة صورة أو مقطع فيديو للمنتج أو الخدمة التي يشكو منها.

شبكات الفساد في عهد مبارك.. تزاوج المال والسلطة


أمل خيري
جريدة الشعب - العدد السادس
ربما سنظل لسنوات طويلة -قد تمتد لعقود- نعاني من تغلغل شبكات الفساد التي أرساها عهد مبارك، والتي امتزجت فيها تفاعلات السلطة والثروة بشكل هائل امتدت آثاره لأغلب القطاعات في الدولة، وفي العادة فإن اقتلاع جذور الفساد تكون مهمة في غاية الصعوبة ولكنها تقتضي في البداية التعرف على مواطن هذه الجذور ليسهل اقتلاعها.
وقد حاول أحد الباحثين المصريين المتخصصين في مجال مكافحة الفساد الغوص في أعماق هذا المستنقع ليرصد الكيفية التي كانت تدار بها شبكات الفساد في عهد مبارك؛ حيث قام الدكتور عمرو عادلي في دراسته التي صدرت في مارس الماضي عن مبادرة الإصلاح العربي والتي جاءت بعنوان "دولة الفساد في عهد مبارك.. تفاعلات السلطة والثروة 1990-2011" بمحاولة الكشف عن شبكات الفساد في هذا العهد.
ويمكن تعريف الفساد والمحسوبية باعتبارهما سوء استعمال سلطات الدولة في إصدار القوانين والقرارات واللوائح من أجل تحقيق مصالح خاصة لمجموعة محدودة من المنتقين سياسيا، وذلك من خلال تمليكهم لأصول عامة مملوكة للدولة أو مواقع متميزة بالسوق. وفي دولة مبارك ظهرت أربعة أشكال للمحسوبية، تمثلت في:
1- الدوائر السلطانية: وهي عبارة عن  الشبكات الممتدة في أوساط المسئولين ورجال الأعمال حول مبارك وأبنائه والتي استفادت من أوامر التخصيص وحقوق الانتفاع وتسهيل الاستيلاء على المال العام كما شهدنا في قضيتي بالم هيلز ومدينتي.
2- الإقطاعات المملوكية: ويقصد بها تجزئة الدولة بحيث تسيطر مجموعة بعينها على أحد القطاعات الاقتصادية في الدولة، وذلك كما حدث بالنسبة للجيش والمخابرات والداخلية، مما سمح باستفادة رجال أعمال مقربين من أحد هذه الدوائر، على سبيل المثال نجد قيام حسين سالم بانتقاء الاستثمار في قطاع الغاز والبترول نتيجة لعلاقاته بالمخابرات.
3- النمط الأوليجاركي: ويعبر عن حالة وصول رجال أعمال لمناصب تشريعية أو تنفيذية بأموالهم ومن ثم استغلال مواقعهم في مزيد من التربح، ويحضرنا بالطبع نموذج أحمد عز من خلال استحواذه على صفقة شركة الدخيلة للحديد والصلب، ومن ثم تيسير عملية احتكاره لسوق الحديد وذلك بعد وصوله للبرلمان في عام 2005.
4- صيغة الشركاء الصغار: والتي تمثلت في الشراكات بين رجال الأعمال ومسئولين حكومين سواء بتخصيص أصول عامة، أو التمتع بموقع متميز في السوق كالاحتكارات والعطاءات وغيرها مقابل اقتسام الأرباح بين الطرفين.
ويرجع الباحث نشأة شبكات الفساد إلى فترة التحرر الاقتصادي الجزئي خاصة في مجال التجارة الخارجية منذ منتصف السبعينيات أو ما سمي وقتها بعصر الانفتاح، ثم جاءت الإصلاحات الاقتصادية التي اتبعتها حكومة نظيف (2004-2011) لتوفر المناخ الآمن لتجذر شبكات الفساد والمحسوبية.
وبالطبع هناك العديد من العوامل التي ساعدت على تفشي الفساد في أوصال الدولة، ويأتي على رأسها طبيعة النظام السلطوي مع غياب المحاسبة والشفافية، أما العامل الثاني الذي ساعد على انتشار الفساد فيظهر في ضعف المجتمع المدني المتمثل في الاتحادات العمالية والنقابات المهنية وجمعيات حقوق الإنسان وغيرها، مما مكن للفساد أن ينخر في عظام الدولة على حساب القطاعات العريضة من الشعب.
كما ساعدت العولمة على تدفق رأس المال والتجارة، في الوقت الذي قامت فيه المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين بوضع اشتراطات على الحكومات بالتحول نحو أشكال من التحرر الاقتصادي الجزئي والتوسع في الخصخصة مقابل تقديم منحا  مالية، وهو الأمر الذي استفاد منه بشدة المقربون من دوائر السلطة كما حدث في شركة النصر للمراجل في مطلع التسعينيات والتي بيعت لإحدى الشركات الأمريكية ولكن تبين فيما بعد أن نجلي رئيس مجلس إدارة الشركة شريكان مساهمان في هذه الشركة الأمريكية، ثم تخارج الشريك الأجنبي لتصبح ملكا خالصا لهما!.
وعلى الرغم من وجود العديد من قضايا الفساد أمام النائب العام وبدء النظر والحكم فيها، إلا أن تفكيك شبكات الفساد لن يمضي بهذه السهولة، والأهم هو الاستفادة من دروس هذه الفترة عن طريق العمل على تدعيم الديمقراطية وتداول السلطة من جهة، وتقوية المجتمع المدني وتفعيل الرقابة وتعزيز الشفافية من جهة أخرى، وهو الأمر الذي يمثل تحديا هاما للجمهورية الثانية.

الأربعاء، 8 أغسطس 2012

اللي يحتاجه البيت...!!! هل ذهبت كهرباء مصر إلى غزة؟


أمل خيري

انبرى العديد من الإعلاميين ومروجي الإشاعات لتحميل أزمة انقطاع الكهرباء المتكررة إلى قيام مصر بتوصيل الكهرباء إلى قطاع غزة، بل ونسب البعض زورا إلى رئيس الجمهورية تصريحه بأن على المواطن المصري أن يتحمل انقطاع الكهرباء دعما لإخوانه في غزة، وذكروا أنه قال ذلك في حديثه لإذاعة البرنامج العام بما نصه "اشربوا من القله وبلاش تكييف!.. وأن انقطاع الكهرباء يحدث لأنها تذهب إلى غزة".
وقد انتشرت هذه الشائعة ورددها الكثير من الإعلاميين وكذلك الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى صارت هناك قناعة عند بعض المصريين أننا بالفعل نعاني من انقطاع الكهرباء بسبب غزة، حتى أن إحدى الكاتبات في عمودها بالأهرام طالبت الرئيس أن يحكم مصر بدلا من غزة مستعينة بالمثل الشعبي "اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع"، على أساس أنه حرم المصريين من الكهرباء ليعطيها لغزة!.
والحقيقة أنه ما من تصريح على هذا النحو قد صدر من الرئيس ولا من أي جهة رسمية، وقد نفى المخرج الإذاعي رضا سليمان -مخرج برنامج "الشعب يسأل والرئيس يجيب"-  قائلا أن هذا السؤال لم يكن قد طرح بعد على السيد الرئيس حين إطلاق هذه الشائعة، مشيرا إلى أن  الحلقات التى تم بثها عبر أثير الإذاعة موجوده على كل المواقع والصفحات لمن يريد أن يتأكد بنفسه .
كما أكدت الرئاسة أن أزمة الكهرباء لا علاقة لها بغزة، وأن تصدير الكهرباء لغزة شائعات، ولا يمكن أن تتم تلبية احتياجات غزة بالكهرباء على حساب المصريين، نافية أن يكون الرئيس قد أصدر أي توجيهات بتصدير الكهرباء لغزة.

نأتي للسؤال: بعيدا عن التصريحات الرسمية، هل يمكن فعلا أن تكون كهرباء غزة هي السبب في انقطاع الكهرباء في مصر؟
دعونا إذن نحلل الأمر منذ البداية:
هل تعلم أن مساحة قطاع غزة لا تزيد عن 360 كم2 أي حوالي نصف مساحة إحدى المحافظات في مصر، ويبلغ عدد سكانها مليون ونصف نسمة، أي لا يتجاوز عدد سكان أحد أحياء القاهرة؟. وإذا علمنا أن الحاجة الحقيقية للقطاع من الكهرباء لا تزيد عن 360 ميجاوات، وأن محطة الكهرباء في غزة يمكنها أن تقوم بتوليد هذه الكميات، ولكنها تحتاج إلى  500 ألف لتر سولار صناعي يومياً لتشغيلها.
وخلال الفترة من 2007- 2009 كانت محطة التوليد تعتمد على توريد الوقود الصناعي لها من معبر كرم أبو سالم، والذي يتكلف 15 مليون دولار يوميا، تدفع غزة منه 2 مليون فقط، في حين يقوم الاتحاد الأوروبي بدفع فارق المبلغ كمعونات مادية، إلا أنه مع نهاية 2009 قرر الاتحاد الأوروبي تحويل المبلغ المخصص لتمويل وقود المحطة إلى خزينة وزارة المالية برام الله بدلا من غزة بناء على طلب حكومة سلام فياض التي تعاني من أزمة مالية، ومن ثم أصبحت الكميات التى ترسلها رام الله قليلة تكفي  بالكاد لتشغيل مولدين فقط، وبالتدريج انخفضت هذه الكمية حتى أصبحت لا تكاد تكفى لتشغيل مولد واحد، وفي بعض الأحيان كانت الحكومة في غزة تضطر لإطفاء المحطة لامتناع رام الله عن التوريد تماما مما أدى إلى عجز في الوقود يصل إلى 50%.
ومما فاقم الأوضاع قيام السلطات المصرية بإغلاق معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة في عهد المخلوع، وبالتالي سدت كل الأبواب أمام وصول السولار اللازم لتشغيل محطة الكهرباء، باستثناء الأنفاق التي كانت تكلف المواطن في غزة ستة جنيهات عن كل لتر سولار. وعلى الرغم من تبرع قطر ب30 مليون لتر من السولار لمحطة الكهرباء الوحيدة في غزة إلا أن السلطات المصرية احتجزتها منذ ابريل الماضي في ميناء السويس نتيجة لإغلاق المعبر، وذلك بعد أن رفض الجانب الإسرائيلي إدخالها عبر معبر كرم أبو سالم، وإصراره على نقل الحمولة عبر معبر العوجة، مما يتطلب تكلفة باهظة لنقل حمولة الباخرة ، إضافة إلى حصول اسرائيل على مليار ونصف دولار كرسوم لدخول الشاحنات الخليجية لغزة.

نأتي إذن لمحاولة استجلاء ما الذي فعله الرئيس محمد مرسي بخصوص كهرباء غزة، وهل صحيح أنه بعد زيارة هنية لمصر أعطى الكهرباء لغزة وترك المصريين يغرقون في الظلام؟
الحقيقة أن كل ما اتفق عليه الطرفان أن يقوم الجانب المصري بتحسين عملية نقل الوقود الذي تبرعت به قطر للقطاع والمحتجز في ميناء السويس، وزيادة كمية الوقود المنقولة إلى نحو نصف مليون لتر يومياً بدلاً من نحو 150 ألف لتر، وذلك لأن نقل كميات قليلة يوميا لا يفي بحاجة محطة الكهرباء. كما وافقت مصر على زيادة عدد الشاحنات التي تحمل الوقود القطري لقطاع غزة من 6 شاحنات يوميًا إلى 10 شاحنات، وكذلك وافقت على إمداد خط أنبوب غاز مصري لشركة لتوليد الكهرباء بالقطاع مستقبلاً لزيادة الإنتاج من 22 ميجاوات إلى 30 ميجاوات.
ويخطئ من يظن أن هذا الخط هو المتسبب في أزمة انقطاع الكهرباء في مصر؛ إذ أن ما تم حتى الآن مجرد اتفاق على إنشاء الخط وهو ما يستلزم شهورا أو أعواما وليس مجرد أيام معدودة!. بالإضافة إلى أن فارق الانتاج الذي تحتاجه غزة لا يزيد عن 8 ميجاوات، وهو ما يمثل نسبة ضئيلة جدا لا تكاد تذكر من إجمالي إنتاج الكهرباء في مصر الذي يصل إلى 24 جيجا وات، ومن ثم فإن حاجة القطاع ربما لا تزيد عما يستهلكه مصنع واحد من المصانع المصرية من الكهرباء.
غزة إذن بريئة من انقطاع الكهرباء في مصر، وإن كان هذا لا يعني أن تتخلى مصر عن شقيقتها الأصغر أو أن تمتنع عن دعم الأشقاء الفلسطينيين المحاصرين في غزة ولو حتى بتسهيل إدخال المعونات إليها عبر أراضيها، في حين كان جميع المصريين يطالبون النظام السابق بتخفيف الحصار على غزة، ويتهمونه بمشاركة الصهاينة في قتل الفلسطينيين وحصارهم، وكل ما فعله الرئيس الحالي أن قام بتخفيف هذا الحصار دون انتقاص من موارد مصر، ويبدو أن هذا الحصار سيظل مفروضا نتيجة افتعال إسرائيل لأزمات حدودية تؤدي لإحكام الحصار مرة أخرى وإغلاق المعابر، ونأمل ألا يتسبب حادث رفح الأخير في إعادة هذا الحصار.   

الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

هل ينجح الرئيس في تعمير سيناء؟



أمل خيري
ربما أتى حادث رفح الأخير ليعيد للرئيس ترتيب أولويات تنفيذ برنامجه الرئاسي، إذ يمكن اعتباره بمثابة جرس إنذار لإعادة وضع سيناء على رأس هذه القائمة.
منذ عودة سيناء وحتى اليوم لم تستعد مصر سيادتها الكاملة على هذه البقعة الشرقية الهامة من أراضيها، نتيجة تكبيل يد القيادة المصرية بمعاهدة السلام، إلا أن هذه المعاهدة التي حدت من التواجد العسكري في سيناء لم تحظر علينا تعمير سيناء، ولكن النظام السابق قام بهذه المهمة نيابة عن إسرائيل فحرص على عزل هذا الجزء المصري عن باقي كيان الدولة، مما جعل سيناء بلا غطاء أمني أو بشري وتركها ساحة تمارس فيها إسرائيل نفوذها وعملياتها الاستخباراتية على نطاق واسع. لذلك أكد العديد من الخبراء أن إنقاذ سيناء من شبح الإرهاب لن يكون إلا بتنمية حقيقية لسيناء.
تمثل سيناء 6% من مساحة مصر؛ إذ تبلغ مساحتها 61 ألف كيلو متر مربع، يعيش فيها حوالي 562 ألف نسمة وفق أحدث بيانات للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تضم محافظة شمال سيناء حوالي 402 ألف نسمة، بينما يبلغ عدد سكان محافظة جنوب سيناء 160 ألف نسمة، مما يعني أن الكثافة السكانية في سيناء لا تتعدى 9 نسمة لكل كيلو متر مربع.
وتعتمد سيناء في اقتصادها على الزراعة والرعي كنشاط اقتصادي أول؛ إذ تنتشر الزراعة المطرية شمالا خاصة في العريش، بينما تعتمد الزراعة في الوسط على المياه الجوفية، ومياه الأمطار المخزنة بواسطة سدود صغيرة، في حين يعتمد رعي الأغنام والماعز على الأمطار الموسمية، ويبلغ إجمالي الماشية 96 ألف رأس.
ويعد الصيد هو النشاط الاقتصادي الثاني في الأهمية في منطقة تمتد سواحلها لأكثر من 610 كيلو متر، منها 200 كيلو متر تطل على البحر المتوسط، وطبقا لبيانات عام  2009 قدر الإنتاج السمكى من المصايد الطبيعية فى شبه جزيرة سيناء بحوالى 11990طن. وبالإضافة للزراعة والصيد تحوي سيناء كنوزا معدنية، كما تملك إمكانات واعدة في مجال السياحة الشاطئية والعلاجية والدينية والبيئية.
وعلى الرغم من قيام العديد من المشروعات لتنمية سيناء إلا أن هناك الكثير من المعوقات التي واجههتها، يأتي على رأسها غياب الإرادة السياسية في ظل النظام السابق. واليوم مع تشكيل حكومة جديدة في ظل رئيس منتخب هل يمكن استعادة الإرادة السياسية وتوجيه جهود التنمية والإعمار نحو سيناء؟
من الناحية النظرية، يحمل مشروع النهضة والبرنامج الرئاسي الذي قدمه الرئيس محمد مرسي قبيل انتخابه العديد من الوعود البراقة والمشروعات الواعدة، سواء بمشروعات الريادة المحلية أو بالمشروعات القومية، والتي تستهدف دعم كل من اقتصاد المعرفة واقتصاد القيمة المضافة.
فبالنسبة لمشروعات الريادة المحلية اقترح البرنامج الرئاسي إقامة مجمع إنتاج الزجاج ومجمع استخلاص الأملاح في شمال سيناء، والذي ترتبط به بعض الصناعات التكميلية كصناعات الكريستال والزجاج المسطح، والصناعات الإليكترونية المعتمدة على السليكون النقي. أما في جنوب سيناء فقد اقترح البرنامج إنشاء مركز تجاري عالمي، وإنشاء مدينة شرم الشيخ الجديدة، وإقامة مركز خدمات بري ومجمع صناعات التيتانيوم والكاولين، إضافة إلى مشروع كوبري تبوك- شرم الشيخ بطول ٥٠ كيلو.
أما من حيث المشروعات القومية فيأتي مشروع تعمير سيناء على رأس هذه المشروعات التي يقترحها البرناج الرئاسي، والذي يعتمد على إنشاء منطقتين صناعيتين، الأولى بمنطقة أبورديس على مساحة 200 فدان لصناعة البتروكيماويات والأسمدة والكلور والصودا الكاوية ومعالجة الزيوت وصناعة الأنابيب والعوازل الكهربائية والصناعات الصغيرة .والمنطقة الصناعية الثانية بأبي زنيمة على مساحة ٢٥٠ فدان، بهدف التركيز على الصناعات التعدينية والمتصلة بالمناجم المحيطة بها كمناجم المنجنيز والطفلة والكاولين والجبس والرمال البيضاء وغير ذلك.
وبالإضافة لهاتين المنطقتين الصناعيتين يقترح البرنامج مشروع وادي التكنولوجيا بالإسماعيلية والذي يقع بشبه جزيرة سيناء بالضفة الشرقية لقناة السويس داخل الحدود الإدارية لمحافظة الإسماعيلية، ويهدف المشروع إلى تنمية وإنشاء منطقة للصناعات التكنولوجية وما سيتبعها من صناعات وخدمات وفرص استثمارية ووحدات ومراكز بحثية وجامعات تقنية تساهم في تنمية الاقليم، مما يوفر فرص عمل تقدر ب ١٢٠ ألف فرصة عمل، ومن ثم توطين أكثر من ٢٥٠ ألف مواطن فى أرض المشروع.
ويتبقى السؤال هل تنجح الحكومة الجديدة في تنفيذ هذا البرنامج الواعد، وهل يكون حادث رفح الدامي سببا في إعلان بدء انطلاق المشروع على الفور لحماية الأمن القومي في سيناء؟