الأربعاء، 1 فبراير، 2006

فتاتي....... عندما تعشقين مطبخك.

تحقيق- أمل خيري........... البيت واحة المرأة التي تأوي إليها، وهو مملكتها التي تتفنَّن في تجميلها وتهيئتها لأفراد أسرتها، ويُعتبر المطبخ ركنًا أساسيًّا من البيت تثبت المرأةُ من خلاله مهارتَها في إعداد صنوف الأطعمة والحلويات، ولكن رغم ذلك تؤكد كثيرٌ من الشواهد انتشار ظاهرة عزوف كثيرٍ من الفتيات عن دخول المطبخ وعدم الاكتراث بأهمية إتقان أعمال الطهي، يبدأ ذلك قبل الزواج وتظهر نتائجه السلبية بعد الزواج خاصةً في السنة الأولى منه. هذه الظاهرة الخطيرة مؤشرٌ خطيرٌ على مستقبل الفتيات عندما يصبحن مسئولاتٍ عن أسرة بالكامل، وهو ما تعترف به الفتيات في هذا التحقيق؛ حيث تقول هدى (18 سنة): أنا أكره المطبخ وكل ما يذكرني به، وأفضِّل الوجبات الجاهزة والسريعة، فما الذي يجعلني أكلِّف نفسي مشقَّة الوقوف في المطبخ وإعداد الطعام بينما يمكنني أن أطلب الوجبة التي أريدها عن طريق التليفون. وتروي (مها) تجربتها؛ حيث كانت بالفعل لا ترى قبل الزواج أهميةً لتعلمها الطهي، حتى كانت صدمتها في بداية حياتها الزوجية؛ حيث اكتشفت أن الطريق ليس مفروشًا بالورود، فمن أين لها بالزوج الذي يفي دخلُه بثمن هذه الوجبات الجاهزة، ولأنها لم تعتَدْ الاعتماد على نفسها كانت تقوم بالطهي من خلال التليفون فتتصل بوالدتها لتسألها عن كيفية إعداد الوجبات، حتى بدأت في الاعتماد على نفسها، ولكنها كثيرًا ما تلحظ في عيني زوجها الامتعاض في نفس الوقت الذي يشيد فيه بطهي زوجة أخيه أو زوجة صديقه؛ مما يسبِّب لها الإحباط. وفي المقابل ما هو رأي الأزواج؟! يقول (أحمد عبد الله) تزوجْتُ من طبيبة فورَ تخرجها من الكلية، وبالطبع نتيجة انشغالها بالدراسة لم تتعوَّدْ في بيت أسرتها على دخول المطبخ، فاكتشفتُ بعد الزواج سرَّ العَداء المحكم بينها وبين المطبخ، فعشنا سنةً كاملةً في عذاب، حتى بدأَت في التعود على دخول المطبخ وتنفيذ بعض الوجبات البسيطة التي غالبًا لم يكن لها طعم، ولكني تحملتها صابرًا حتى بدأت إلى حدٍّ ما في التحسن التدريجي. أما عن رأي الأمهات فتروي ماجدة عبد الرحيم تجربتَها مع بناتها؛ حيث بدأت معهن مِن سنِّ الرابعة؛ حيث تستطيع البنت مشاهدةَ الأم ومتابعتَها أثناء وجودها في المطبخ، كما يمكنها أن تطلب منها مناولتَها بعضَ الأشياء أو غسلَ الخضروات، وبالتدريج مع تقدم العمر وباستمرار التشجيع من الأم تبدأ البنت في حب المطبخ، فيمكنها أن تقوم بعمل السلَطة أو السندوتشات، ومن الأمور المحببة للأطفال إشراكهم في المناسبات السعيدة، كإعداد الكحك والبسكويت، بالطبع مع تقديم النصائح وتعليمهم قواعد واحتياطات الأمان. وتتفق معها فاطمة السيد، فتقول بدأتُ تعليمَ بناتي دخول المطبخ قبل أن أعلمَهم القراءة والكتابة، وكنت أُشركهم في كل ما يتناسب مع أعمارهم، كغسل الأطباق، وكانت البنت تجد متعتَها في ارتداء مريلة المطبخ التي كانت تصل للأرض وتضع الكرسي أمام الحوض، ودائمًا أقوم بتشجيعها حتى لو ظلت بالأطباق بقايا طعام، وبالتدريج أصبحت لا تترك الأطباق والأكواب إلا وهي برَّاقة، ثم كانت المشاركة في تنقية الأرز أو تقشير البطاطس أو حتى تنظيف الخضروات، كالبسلة والفاصوليا. وتقول إن الطفلة في البداية تأخذها كلعبة تستمتع بها، وبالتدريج تصبح من أساسيات حياتها، وبالتالي عندما تزوجت بناتي أثناء الدراسة لم يجدْن أي مشقة في التوفيق بين الدراسة والبيت، وأصبح الجميع يشيد بمهارتهن في إعداد ألوان الطعام والحلويات والتورتات.
عوامل اجتماعية
تُرجع الدكتورة سيدة إبراهيم- أستاذ علم الاجتماع بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر- أسبابَ هذه الظاهرة إلى ستة عوامل هي: 1- إهمال الأم تعويد بناتها على دخول المطبخ منذ الصغر وبالتالي لن تحبه عندما تكبر. 2- كثرة المحلات التي تقدم الأكلات الجاهزة وانتشار نمط المجتمع الاستهلاكي. 3- نقص الإعداد التربوي أو التعليمي للفتاة، واختفاء مادة صحة الأم والطفل التي كانت تدرَّس بالمدارس. 4- العادات والتقاليد التي تتناقلها وسائل الإعلام والتي تركز على اهتمام الفتاة برشاقتها وأناقتها وجمالها فقط. 5- الإعلام فقد دورَه في توجيه الفتاة نحو المطبخ، فلا نجد برنامجًا موجّهًا لإعداد الفتاة قبل الزواج يتناول أمور الطبخ والاهتمام بنظافة المنزل. 6- فقدان الفتاة نفسها الاستعداد لممارسة حياتها داخل المطبخ وعدم اقتناعها بأهمية دورها فيه. وتؤكد أن الفتاة حتى إذا لم تعتد على دخول المطبخ منذ الصغر فيجب أن تتدارك الأمر في فترة الخطوبة فتكثِّف دخولها للمطبخ. كما تنصح الأزواج في بداية حياتهم الزوجية بالصبر على الزوجة إذا كانت لا تُتقن الطهي وتشجيعها على الوجبات التي تعدُّها بنفسها؛ لأن الزواج في النهاية سكنٌ ومودةٌ ورحمةٌ نفسيةٌ للطرفين، وأيضًا هو تفاهمٌ واحترامٌ وتعاونٌ، فلا مانعَ أن يتعاون الزوج مع زوجته في بداية حياتهما، وبالتدريج ستتقن الطهي وتحبه ويصير متعةً لديها.
خطورة الأطعمة الجاهزة
وتحذِّر الدكتورة شفيقة عبد الحميد- أستاذ التغذية بكلية الزراعة بجامعة القاهرة- الفتياتِ من زيادة الإقبالِ على الأطعمة الجاهزة والاعتماد عليها؛ حيث تذكر بعضًا من أضرارها، مثل: - ارتفاع نسبة الدهون والكوليسترول، خاصةً مع تناول المياه الغازية أثناء الوجبات؛ لأنها من المواد المرتفعة في السعرات الحرارية، وتكرار عملية التحمير في نفس الزيت للأطعمة المقلية مثل البطاطس أو الطعمية يؤدي إلى تكوين مواد ضارة للصحة، ولا يظهر أثرها مباشرةً ولكن بالتدريج ومع التكرار تزيد أمراض العصر بشكل كبير جدًّا. - انخفاض القيمة الغذائية في هذه الأطعمة، خاصةً إذا لم تكن من أماكن يطمئن إلى وجود رقابة صحية عليها، فقد تؤدي إلى بعض الأمراض الميكروبية والتسمم الغذائي أو الإصابات الغذائية كالإسهال.. - ارتفاع نسبة السكريات في الأطعمة الجاهزة، وكذلك تلجأ الكثير من المطاعم إلى إضافة مكسبات الطعم أو الرائحة، وهي أيضًا مواد ضارة بالصحة.. - هذا بالإضافة إلى الإرهاق المادي للأسرة واستنزاف الدخل. وتؤكد د. شفيقة عبد الحميد أهمية توعية الفتيات بالعادات الغذائية السليمة وتعزيز الوعي الغذائي، كالاهتمام بالعصائر الطازجة والخضروات والفاكهة. وتنصح الفتيات أو الزوجات اللاتي يفضلن الوجبات النصف مطهية أن تكون هذه الوجبات من أماكن مضمونة تخضع للرقابة، كالشركات الكبرى التي تقوم بلصق تاريخ الإنتاج وتاريخ انتهاء الصلاحية وكذلك المواصفات والمكونات والقيمة الغذائية للوجبة. والأفضل دائمًا هو طهي الخضروات الطازجة، وإذا أرادت الزوجة الاحتفاظ بكمية من الطعام فتحتفظ بها نصف مطهية في الفريزر، وعندما تحتاجه تكمل تسويته، وعمومًا تخزين الأطعمة يقلل من قيمتها الغذائية ولكن يظل التجميد هو أحسن طرق التخزين ويفضل عن الحفظ بالتبريد.
وسائل الإعلام
وتطالب باهتمام وسائل الإعلام كالراديو والتليفزيون والجرائد والمجلات والكتب والأقراص الضوئية والإنترنت بالتوجيه الصحي والغذائي، وتركز على دور التليفزيون والراديو في توجيه وعي صحي وغذائي؛ لأن مواقع الإنترنت لا تُتَاح للجميع، كما أنها تحتاج إلى وقت طويل في التصفح، إضافةً إلى أن معظم المواقع التي تقدِّم هذه التوعية تَستخدم اللغة الإنجليزية؛ لذا يظل التليفزيون يحتل المرتبة الأولى في توجيه برامج تركِّز على توضيح القيمة الغذائية للأغذية المختلفة والسعرات الحرارية واحتياجات الأفراد منها، وكذلك التوعية بالطرق الصحية للطهي؛ لأن بعض النساء تضيِّع القيمةَ الغذائية للطعام عند طهيه بالتقليب المستمر أو الطهي في درجة حرارة غير مناسبة أو نقع الخضروات لمدة طويلة أو إذابة اللحوم المجمدة في الماء.
الاقتصاد المنزلي
تُرجع سعاد عبد القادر- موجهة الاقتصاد المنزلي بوزارة التربية والتعليم- السببَ إلى ضعف اهتمام المنظومة التعليمية بمادة الاقتصاد المنزلي، فقد تناقصت حصص التدبير المنزلي إلى حصة واحدة أسبوعيًّا للمرحلة الابتدائية، وحصتين في المرحلة الإعدادية، بالإضافة إلى تدني الميزانية الموجَّهة للمادة لشراء الخامات والمستلزمات، للتدريب على إعداد المشروبات الساخنة أو الباردة كالعصائر، وبالتالي فإن بعض المعلِّمات يحاولن ترشيد الإنفاق من خلال استبدال عصير البرتقال مثلاً بالليمون لانخفاض سعره أو مشروب الشاي بدلاً من الكاكاو. وتوضح أنها من خلال عملها تبذل مجهودًا هائلاً مع المعلِّمات لتدريبهن على تشجيع الطالبات على الاهتمام بمادة الاقتصاد المنزلي من خلال اتباع الأساليب المشوِّقة، وترى من خلال جولاتها في المدارس أن الفطرةَ الأصيلة في الفتاة حبّ المطبخ منذ المرحلة الابتدائية، وتدلل على ذلك بأن الطالبات ينتظرن حصةَ الاقتصاد المنزلي بشَوق، كما أنهن يحرصن على إحضار أدواتهن كالمريلة والفوطة والطبق والكوب والملعقة، وأثناء الحصة نفسها تجدهن في قمة السعادة ويتنافسن على تقليب الطعام أو إعداد الوجبات المختلفة، إلا أن عدم اهتمام بعض المعلِّمات بالمادة يؤدي إلى نفور الطالبات منها مع تكرار الحديث عن عدم أهميتها من جانب الأسرة، فتجد الأم تركز مع ابنتها على مذاكرة المواد الأساسية؛ مما يرسِّخ كراهيةَ الاهتمام بالطهي أو الأمور المنزلية لدى الفتاة، وتؤكد أن الأم تسلك هذا المسلك من دون قصد من خلال حرصها على مستقبل الفتاة الدراسي، متناسيةً أن مستقبل الفتاة الاجتماعي ودورها في الأسرة من الأمور الأساسية. وعلى الرغم من اهتمام مناهج المرحلة الإعدادية والثانوية بتوفير بعض الدروس عن الطفولة والأمومة لإعدادهن للزواج، إلا أن كثيرًا من الفتيات يقُمن بمذاكرة المادة للامتحان فقط، ولكن هناك بعض الفتيات يحتفظن بهذه الكتب وكذلك كشاكيل الاقتصاد المنزلي المحتوية على طرق بعض الوجبات لما بعد التخرج، بل إن البعض منهن يصطحبنها بعد الزواج لاحتوائها على إرشاداتٍ لاختيار الفاكهة أو الخضروات أو لحفظ الأطعمة.
الطهي متعة
وتقدم للأم برنامجًا لإعداد طاهية ماهرة تستمتع بعملها: 1- تدريب الأم الفتاة بالتدريج من سنّ الرابعة أو أقل على المشاركة في أعمال المطبخ. 2- محاولة إدخال جوّ من المرح أثناء إعداد الوجبات، كتقطيع الفاكهة على شكل مركب، أو عمل كعكة على شكل قلب أو دبدوب، وتزيين الأطباق بالخضروات. 3- مكافأة الطفلة على وجبةٍ أعدتها بنفسها مع الإشادة بها أمام صديقاتها. 4- إجراء مسابقة بين الشقيقات أو القريبات في أحسن أو أسرع وجبة. 5- تعريف الفتاة باحتياجات الجسم اليومية من الفيتامينات والطرق الصحية لطهي الأطعمة. 6- تعويد الفتاة الاحتفاظ بصفحات الطهي في الجرائد والمجلات لعمل أرشيف لها يفيدها بعد الزواج. 7- استغلال فترات الإجازات في تعليم الفتاة الطهي. 8- إشراك الفتاة في إعداد الحلوى للضيوف مع إخبارهم بذلك. 9- شراء الأقراص الضوئية الخاصة بالطهي وتشجيع الفتاة على مشاهدة برامج الطهي المختلفة في التليفزيون مع قيامها بتنفيذ هذه الوجبات. وفي النهاية تؤكد أنه على الأم أن تعلِّم الفتاة أن المطبخ جزءٌ من الروتين اليومي للحياة حتى يتحوَّل لديها إلى متعة حقيقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق