الأربعاء، 22 فبراير، 2006

حملة المدارس انتصارًا لأشرف الخلق

تحقيق: أمل خيري...
(فداك أبي وأمي يا رسول الله) كان هذا شعار أغلب
المدارس التي تبارت في إطلاقِ حملاتٍ لمناصرةِ الرسول- صلى الله عليه وسلم- منذ انطلاقِ الهجمةِ الخبيثة على شخصِ الرسول الكريم، ووقف طلاب اليوم ورجال الغد موقفًا مشرفًا بفضلِ دور معلميهم الذين آثروا
تعريف طلابهم بأبعاد هذه الحملة والواجبات العملية لنصرةِ رسول الله.

تقول زينب عبد الله- مدرسة تربية إسلامية-: منذ بداية هذه الهجمة بدأت النقاش مع الطلابِ أثناء الحصص، ومن خلال الحوار والتفاعل بدأ الطلابُ في عرضِ آرائهم، وكانت الخطوة الثانية هي تفنيد هذه الآراء باستبعادِ الآراء الخاطئة وتسجيل الآراء الصحيحة، وكان من بينها ضرورة فتح قنوات الاتصال مع الغرب ومحاولة تصحيح المفاهيم الخاطئة لديهم عن الإسلام، وعن الرسول- صلى الله عليه وسلم-، كما قمنا بتنظيم مسابقة بعنوان (اعرف رسولك) لأفضل بحثٍ عن أخلاقِ الرسولِ الكريم، كما عقدنا ندوةً للمعلمين وأولياء الأمور بعنوان (واجبنا نحو الرسول)، وحاضر فيها علماء أجلاء، وكان لهذه الندوة صدى كبير بين أولياءِ الأمور.

وأكد ياسر عبد الرحمن- مدرس أول تربية إسلامية- ضرورةِ استغلال الأنشطة الطلابية داخل المدارس في توجيه مشاعر الطلاب الغاضبة نحو واجبات عملية كإجراء المسابقات لكتابة أبحاث عن أخلاق الرسول وفضله ومكانته، كما يقوم الطلاب بتجميع موضوعات عن أهمية المقاطعة من الصحف والمجلات أو من مواقع الإنترنت؛ بل إنَّ البعضَ من الطلابِ قد أرسل برقياتِ احتجاجٍ للسفارةِ الدنماركية عبْر البريدِ العادي أو الإليكتروني.

ويعتقد خالد سيد- مدرس لغة عربية- أنَّ الوعيَّ لدى الطلابِ في الآونةِ الأخيرة بالقضايا الكبرى قد تزايد؛ حيث لُوحظ في جميعِ المدارس انتشار اللافتاتِ المعلقة على الحوائطِ التي تستنكر هذه الرسوم أو التي تحضُّ على حبِّ الرسولِ بالإضافةِ لمعارضِ الأنشطةِ التي طغى الحدث عليها.

ويُذكر أحمد عادل- مدرس تاريخ- بعض الواجبات العملية التي كلف بها طلابه مثل التخلق بخلقٍ من أخلاقِ الرسول والمداومة عليه أو إتباع سنة جديدة، كما أعدَّ بعضُ الطلابِ بطاقةً تعريفيةً بالرسولِ والبعض جمَّع قائمةً بأسماءِ المنتجاتِ الدنماركية ووزعها على زملائه.
وأقامت إحدى المدارس أسبوعًا ثقافيًّا بعنوان (هذا نبيك)؛ حيث تمَّ تنظيم ندوةً عن الواجباتِ العملية لمناصرةِ الرسول ومعرضًا للوحاتِ والعروض التقديمية.

وقامت إحدى المعلمات بتكريمِ أحد الطلاب الأمناء مرتين: مرةً لكونه أمينًا ومرةً لكونه تأسى بخلقٍ من أخلاقِ الرسول- صلى الله عليه وسلم-.

أدب الصحابة والتابعين
وتذكر الداعية هدى عبد الغني (من واعظات الجمعية الشرعية) أنَّ المعلمَ يجب أن يُعلِّم طلابه كيفيةَ توقيرِ النبي واحترامه والتأسي بالصحابةِ والتابعين في توقيرهم له فهذا أنس بن مالك كان إذا أتاه مَن يسأله يقول لجاريته: اسأليه أيطلب الحديث أم الفقه؟، فإنَّ كان يطلب الفقه يتوضأ ويخرج إليه يجيبه في مسألته، وإن كان يطلب الحديث جعله ينتظر حتى يغتسل ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ثم يخرج فيحدثه. وكان إذا سأله رجلٌ عن حديثٍ للنبي وهو في الطريق ينهره ويقول: أتسألُ عن حديثِ رسول الله وأنت تسير؟

وأيضًا هذا سعيد بن المسيب حينما كان مريضًا ومتكئًا فزاره رجلٌ وسأله عن حديثٍ لرسولِ الله فتكلَّف سعيد القيام فقال له الرجل: لا تتكلف لي يا إمام. فقال: أنا لا أتكلف لك، وإنما ما كان ينبغي أن أُحدث عن رسولِ الله وأنا متكئ.. فإذا كان هذا هو حال السلف فأين نحن الآن من نُصرةِ الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو التوقير له؟

أما الداعية نادية شاهين (مديرة معهد إعداد الدعاة) فتؤكد ضرورة إكثار المعلم من ذكرِ مناقب الرسول- صلى الله عليه وسلم- لطلابه ليحبوه ويتخذ الوسائل المناسبة لذلك من القصصِ وعرض المواقف كما يُمكن أن يُكلفهم بتكليفاتٍ بسيطةٍ كأن يستخرجوا كل أسبوعٍ صفةً من صفاتِ الرسولِ ويقتدوا بها عمليًّا، وينبغي تعريفهم أن طاعة الرسول هي طاعة لله؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ولقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾ (آل عمران).

كما يُمكن توجيه الطلاب الأكبر سنًّا لقراءة كتبٍ معينةٍ من سيرةِ الرسول وتوجيههم توجيهًا إيجابيًّا نحو مواقع الإنترنت لاستخراج المعلومات عن نبيهم الكريم.

بيان سيرة الرسول
وينصح الدكتور محمد مختار جمعة- الأستاذ بجامعة الأزهر المعلم- إذا كان معلمًا للغةِ العربيةِ أو التربية الإسلامية وما يتصل بهما من سيرةِ النبي أن يشرح لطلابه سيرة النبي وأخلاقه الكريمة، ويُبين لهم مكانةَ الرسول- صلى الله عليه وسلم- وضرورة الاقتداء به والتأسي بسنته وبيان أنَّ الإنسان لا يكتمل إيمانه إلا إذا أحبَّ رسولَ الله أكثر من حبه لنفسه لحديث النبي: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

كما أن على المدارس وهيئاتها الثقافية أن تعقد الندوات لعلماء الدين المتخصصين لشرح سيرةِ الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأبعاد الحملة المشبوهة التي تحاول النيلَ من رسولِ الله، وتُبين لهم واجب المسلمين تجاه هذه الحملة، فنحن لا نُطالب أن تتحوَّل حصص العلوم أو اللغة الإنجليزية... إلى ندواتٍ دينيةٍ، وفي الوقتِ نفسه نؤكد أن للمدرسة دورًا تربويًّا تثقيفيًّا مهمًّا ينبغي أن تُؤديه بجديةٍ من خلالِ الندواتِ والمحاضرات العامة، وكذلك المسابقات سواء كانت مجلة حائط أو مجلة مقروءة أو مسابقات شعرية أو كتابة مقالات أو أبحاثًا حول الجوانبِ الخُلقية لرسول الله أو إجراء مسابقة في قراءةِ كتبٍ معينةٍ في سيرةِ الرسول ثم إجراء مناقشات شفوية أو تحريرية فيها.. بناءً عليه فإنَّ الدورَ الأكبر يقع على عاتقِ إدارةِ المدرسة وجماعاتها الدينية والثقافية، أيضًا المعلم يستطيع توضيح هذا الأمر من خلالِ النشاطِ الصيفي.
المناهج الدراسية وتشويه عقول الطلاب.

ويؤكد الدكتور جمال عبد الهادي- أستاذ التاريخِ الإسلامي- أنَّ هذه الهجمة التي بدأت منذ شهر سبتمبر الماضي ليست الأولى من نوعها، بل إنها إحدى الحلقاتِ في سلسلةٍ متصلةٍ من الإساءةِ للرسول والتشويه المتعمد للإسلام، وهذه الهجمة تصدر إما من شخصٍ جاهلٍ بحقيقةِ الإسلام وبشخصيةِ الرسول وإما أنه يعلم هذه الحقيقة ولكنه إنسان حاقد وحسود.

ويوضح الدكتور جمال عبد الهادي مدى خطورة دور المدارس والمناهج الدراسية في توجيه عقول الأجيال، ويدلل على ذلك بالمناهج الأوروبية التي تُعلي من قيمةِ العقل البشري، وفي المقابل تنكر وجود إلهٍ للكون وتنكر وجود الرُّسُل وترفض كل العقائد الدينية ولا سيما العقيدة الإسلامية؛ حيث تُركِّز المناهج الدراسية على ترديدِ مقولاتٍ منها: إنَّ الدينَ من اختراعِ العقلِ البشري أو أن الإنسان من سلالةِ القرود من خلال نظرية النشوء والارتقاء؛ مما يزرع في عقولِ الأطفال إنكار العقائد والغيبيات.

كتابات المستشرقين
كما أنَّ كتابات بعض المفكرين والمستشرقين أمثال وول ديورانت في كتابه (قصة الحضارة) أو جوستاف لوبون في كتابه (تاريخ العرب) قد تناولت الإسلام بإساءاتٍ بالغةٍ وامتلأت بالهجومِ على الإسلام ونبي الإسلام. وأيضًا لو تتبعنا مناهج التاريخ في مدارس أوروبا منذ أكثر من نصفِ قرنٍ لوجدناها مليئة بالتشويه للدين الإسلامي، وبالطبع هذا التشويه كان متعمدًا، وهو الذي أفرز أجيالاً تشبعت بهذه الأفكار، وبالتالي بمجرَّد وصولهم لمراكز صنع القرار في بلادهم بدأوا الهجوم على الإسلام ونبي الإسلام، كل هذا يُؤكد أهمية دور المناهج الدراسية في توجيهِ عقولِ الطلاب.

وينتقل الدكتور جمال عبد الهادي إلى البلادِ الإسلامية؛ حيث طالب بإعادة كتابة المناهج التاريخية التي تدرس في مدارسنا، وأكد على ضرورةِ تبديد ظلمات الجهل لدى الطلاب في المدارس والجامعات والمعاهد عن طريقِ الدراسة المكثفة للسيرة النبوية والعلوم الشرعية ليتعرفوا على حقيقةِ الإسلام الذي حقق الأمن لجميع الأجناس في الوقتِ الذي يتهمونه هم بالإرهاب.

لذا ينبغي دراسة سيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وسيرة الصحابة الأجلاء والخلفاء الراشدين وتوضيح دور الدولة الإسلامية التي قامت على امتدادِ ثلاثةَ عشر قرنًا من الزمانِ وامتدت إلى حدودِ الصين ورغم أنها كانت أقوى دولة في العالم في تلك الفترة إلا أنَّ جميعَ الناس قد أمنوا على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم في ظلها.. وهذا بالطبعِ لن يتأتى إلا بمعاونة معلم قدوة يُقدِّم صورةً حيةً لما يدعو إليه.

أثر الإعلام في توجيه السلوك
ويوسع الدكتور جمال عبد الهادي من مفهومِ المعلم بحيث يشمل كلَّ مَن يُشارك في الأجهزةِ التعليمية والإعلامية لما لدور الإعلام من أثرٍ خطيرٍ على توجيهِ سلوك الناس فلو استقطعنا من البرامجِ الإعلامية بعض الساعات يوميًّا لبثِّ برامج أو مناهج موجهة ومبرمجة لمقرراتٍ دراسيةٍ تهدف إلى تعريفِ المسلمين وغير المسلمين برسولهم الكريم وبخلقه العظيم؛ حيث كان رحمةً للعالمين لكان لها دور في تبديدِ ظلمات الجهل، فلو علمنا وأعلمنا الناس أنَّ الله تعالى قد استنقذنا برسولِ الله من النارِ وجعلنا نرجو شفاعته وأن رسولنا الكريم هو الذي علَّمنا النظافةَ والطهارةَ وحسن المعاملة.. عن أنس بن مالِكٍ- رضي الله عنه- أنَّ رَسُولَ الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "انْطَلِقُوا باسْمِ الله وَبالله وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله، وَلا تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانِيًّا وَلاَ طِفْلاً وَلا صَغيرًا وَلا امْرَأةً، وَلا تَغُلُّوا وَضُمُّوا غَنَائِمَكُم وَأصْلِحُوا وَأحْسِنُوا إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ" رواه أبو داود.

ليعلم جميع الناس أنَّ الإسلامَ دين الإنسانية والخلق الرفيع.. وهنا فقط نكون قد دافعنا بشكلٍ عمليٍّ وبجدارةٍ عن رسولنا الكريم بلا كذبٍ.
ويضيف: إنَّ على أساتذةِ الجامعاتِ أيضًا توجيه طلابهم لموضوعاتٍ لأطروحاتِ الماجستير أو الدكتوراه لتوضيحِ الصورةِ الحقيقية للإسلام وتوضيح أخلاق الرسول والتعريف بسيرته العطرة.

وإذا لم تتضافر جميع هذه الجهود فربما نجد الهجمة على الإسلام ونبي الإسلام ليس من الغربِ فقط، بل من أبناء الإسلام أنفسهم من الذين تربوا على المناهج العلمانية ودرسوا التاريخ المزيف المشوه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق