الثلاثاء، 15 يناير، 2013

بعد إنشاء المفوضية الوطنية لمكافحة الفساد بموجب الدستور




استلهام التجارب الناجحة أصبح واجبا
   

  • تتراوح تكلفة الفساد في مصر بين 57 و70 مليار جنيها سنويا
  • مصر تحتل المركز 118 في قائمة الدول النزيهة
  • نجحت سنغافورة في الوصول للمركز الخامس بمكتب التحقيقات في جرائم الفساد
  • أثبتت التجارب نجاح مكافحة الفساد في ظل مشاركة المجتمع المدني 



كتبت: أمل خيري
جريدة الشعب
الثلاثاء 15 يناير 2013
  
تشير بعض التقديرات إلى أن تكلفة الفساد في مصر خلال الأعوام الست الأخيرة قبل الثورة تقدر بأكثر من 58 مليار دولار حسب تقارير المنظمة الدولية لمكافحة الفساد في يناير عام 2011م ، علاوة على أرقام أخرى غير معلنة وتهريب أموال بواسطة قيادات فاسدة يقدرها البعض بستة مليارات دولار سنويا.
وكانت منظمة الشفافية الدولية قد أعلنت العام الماضي أن قيمة التحويلات المالية الفاسدة إلى خارج حدود مصر وصلت إلي حوالي 7 مليارات دولار (أي ما يعادل 38 مليار جنيه سنوياً)، مقسمة ما بين مخدرات ورشاوي وسمسرة غير مشروعة وغسيل أموال.
وأشار الدكتور عبد الخالق فاروق في كتابه "اقتصاديات الفساد في مصر" إلى أن الأحجام الكلية لأموال وتدفقات الاقتصاد الخفي والأموال السوداء تتراوح بين 57 و70 مليار جنيها سنويا خلال العقد الماضي، ما يعادل 17-20% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي الرسمي خلال نفس الفترة، وإذا أضفنا عمليات تهريب الأموال التي قدرت بنحو 3 مليارات دولار سنويا فإننا نكون بصدد حركة أموال سوداء تقارب 25% من الناتج المحلي الإجمالي.
وكان تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2012 قد أظهر تراجع مصر من المركز 112 في عام 2011 إلى المركز 118 هذا العام في قائمة الدول النزيهة، لتحصل على 32 درجة فقط من 100.
ربما لكل هذه الأسباب جاء النص على إنشاء المفوضية الوطنية لمكافحة الفساد في دستور مصر الثورة؛ حيث نصت المادة (204) من الدستور على: "تختص المفوضية الوطنية لمكافحة الفساد بالعمل على محاربة الفساد، ومعالجة تضارب المصالح، ونشر قيم النزاهة والشفافية وتحديد معاييرها، ووضع الاستراتيجية الوطنية الخاصة بذلك كله، وضمان تنفيذها بالتنسيق مع الهيئات المستقلة الأخرى، والإشراف على الأجهزة المعنية التى يحددها القانون". وبحسب تعريف منظمة الشفافية الدولية له فإن "الفساد هو إساءة استعمال السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب خاصة".
وتؤكد الكثير من الدراسات أنه في الدول التي تواجه تحولات ديمقراطية، لا يعني سقوط أي ديكتاتور بالضرورة نهاية الفساد، بل على العكس من ذلك، ينتشر الفساد ليصبح مستفحلاً خلال الفترات الانتقالية في معظم تلك الحالات؛ ففي كثير من الأحيان تكون عملية الخصخصة قد أوجدت مجموعة من المقربين المستفيدين بشكل كبير من التحول الاقتصادي، وهو ما أدى في دول ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى تقويض التحول نحو الديمقراطية، وتهديد التقدم الاقتصادي لتلك الدول؛ لذا يتعين على مصر الاستفادة من التجارب الناجحة حول العالم في مجال مكافحة الفساد، حتى لا تتعرض لمصير دول الاتحاد السوفيتي.
الفساد منهج حياة!
على سبيل المثال، يمكن القول أن الفساد كان منهج حياة في هونج كونج منذ الستينات وبداية السبعينات؛ إذ انتشرت الرشاوى بين المواطنين للحصول على احتياجاتهم من الخدمات الضرورية وغيرها، مما جعل مهمة محاربة هذه الظاهرة والقضاء عليها أمرا مستحيلا.
لذا قامت الدولة بإنشاء اللجنة المستقلة لمكافحة الفساد، وقامت بتوظيف محققين من الشرطة في البداية، ثم توسعت بالاستعانة بمحققين من الموظفين والمهندسين والمحاسبين وخبراء وسائل الإعلام وموظفين محليين. وأعدت اللجنة دراسات لمنع الفساد لصالح أجهزة القطاع العام وشركات القطاع الخاص. كما شنت حملات إعلامية وحملات توعية ضد الفساد. واعتمدت استراتيجية مكافحة الفساد في هونج كونج على ثلاث دعائم أساسية: التحقيق والمنع والتوعية.
حيث يتولى قسم التحقيق رصد حالات الفساد في المجالات المختلفة وقد حقق هذا القسم نجاحا كبيرا في أنشطته المختلفة، ثم يهدف قسم المنع إلى محاربة الفساد من خلال آليات متعددة لمكافحته، وفق أسلوب الوقاية خير من العلاج، وقد حقق نجاحا كبيرا في أداء هذه الآليات، كما أدركت اللجنة منذ البداية أن إجراءات التحقيق والمنع لا يمكن أن تكتمل إلا بتوعية الجمهور وحشد الجهود المجتمعية لمكافحة الفساد؛ لذا أنشأت إدارة خاصة بالعلاقات المجتمعية، قامت بحشد التأييد العام لمحاربة الفساد، من خلال عدة آليات، من بينها اللجوء إلى الإعلانات التجارية التليفزيونية والمسلسلات التليفزيونية والصحف والمجلات والانترنت، إضافة إلى الاتصال وجها لوجه.
ترتب على هذه الإجراءات تغير طابع التحقيقات؛ إذ تزايد الاهتمام بالفساد في القطاع الخاص استجابة لشكاوى الجمهور. ونتيجة لملاحقات قضائية لأعضاء بارزين في دوائر الأعمال، نمت ثقة الجمهور وتزايد دعمه لجهود مكافحة الفساد. على سبيل المثال زادت عدد البلاغات الفردية من مواطنين عن حالات الفساد في الفترة من عام (1974 – 2005) من صفر % إلى 80% ، ومازالت آخذة في الزيادة.
أما بوتسوانا فتقدم نموذجا ثانيا في مكافحة الفساد؛ ففي التسعينيات انكشفت سلسلة من فضائح الفساد في بوتسوانا، من بينها صفقات عمومية لشراء الكتب المدرسية أسفرت عن خسارة قدرها 15 مليون دولار أمريكي. أدت الفضائح لإنشاء ثلاث لجان تحقيق رئاسية في عامي 1991، 1992، وكشف التحقيق أن المتورطين كانوا من الموظفين الذين يتقاضون أعلى المرتبات في الدولة.
فأنشأت الحكومة مديرية شئون الفساد والجريمة الاقتصادية عام 1994، وبدأت المديرية تقدم تقريرها السنوي للبرلمان. ووضعت المديرية خطة ثلاثية الجبهات، تركز على التحقيق والملاحقة القضائية، وتوعية الجمهور، والوقاية.
نتيجة لذلك تناقص معدل الفساد عقب ارتفاع عدد البلاغات التي تقدم بها الأفراد، وارتفاع الوعي العام بقضايا الفساد الذي زاد من 14% إلى 54% خلال عام واحد فقط.
ويؤكد الخبراء أن أهم العوامل التي ساعدت على نجاح جهود مكافحة الفساد في بوتسوانا، تمثلت في الإرادة السياسية من قبل رئيس الجمهورية، وكذلك إصلاح أجهزة الخدمة المدنية، وإنشاء نظام لتتبع الأموال، وأخيرا التوعية والتعليم. ونتيجة لذلك احتلت بوتسوانا المركز 30 في قائمة الدول النزيهة بحصولها على 65 درجة من 100 وفق مؤشر عام 2012.

مشاركة المجتمع المدني
وتقدم بلغاريا نموذجا لمشاركة المجتمع المدني في مكافحة الفساد؛ فقد احتل موضوع مكافحة الفساد الاهتمام الأول من الحكومة والشعب في بلغاريا منذ عام 1997، نتيجة توغل الفساد في البلاد وتأثيره على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما دفع كلا من المجتمع المدني والحكومة لتبني خطة عمل قومية لمكافحة الفساد، خاصة في ظل الاصلاح السياسي والاقتصادي الذي تبنته بلغاريا.
نبعت مبادرة مكافحة الفساد من منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والمنظمات الاقتصادية والشركات والمستثمرين، فتم إنشاء هيئات غير حكومية لمراقبة الفساد ومتابعة الفساد في البلاد. وقامت هذه الجهات غير الحكومية بالتعاون مع الحكومة، بتبني "خطة عمل قومية لمكافحة الفساد".
وتمثلت أهداف خطة العمل في إعلان بلغاريا دولة خالية من الفساد، وتفعيل المشاركة الشعبية، وخلق قطاع عام فعال، وتحقيق مبدأي "النزاهة" و"الشفافية".
واعتمدت أسس الخطة القومية البلغارية لمكافحة الفساد على تكليف حكومة تغيير وإصلاح، والتي اهتمت بمكافحة الفساد داخل وزارة الداخلية حتى تتمكن من محاربة الفساد في باقي قطاعات الدولة، ثم جاءت الإصلاحات القضائية في ظل انضمام بلغاريا للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلنطي، بدعم من الدول الأعضاء للقضاء على الفساد في بلغاريا. فاستحدثت بلغاريا عددا من القوانين المعنية بمكافحة الفساد ومعاقبة المفسدين، عن طريق وجود عقوبات محددة ومعلنة لمن يرتكب ممارسات فساد.
أما العامل الأهم في نجاح تجربة بلغاريا فكان اشتراك المجتمع المدني بفاعلية للقضاء على الفساد، وتعتبر بلغاريا من النماذج الناجحة في المشاركة المجتمعية الفعالة لمكافحة الفساد؛ فقد اضطلعت الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية بمبادرة القضاء على الفساد.  تمثلت هذه المبادرة في خلق تحالف بين كل من القطاع العام والخاص عام 1997،  وتمخض عنه نظام متابعة كأداة للكشف عن عمليات الفساد، كما نتج عن هذه الشراكة وضع "الإستراتيجية الوطنية البلغارية لمكافحة الفساد" للفترة 2001- 2004.
وكان من نتائج تنفيذ الخطة البلغارية أن نجحت بلغاريا في التحول من دولة  "منتشر بها الفساد" إلي دولة يوجد بها الفساد بشكل محدود، بين عامي 1997 و2004 وفقا لمؤشر منظمة الشفافية العالمية. كما شهدت بلغاريا انخفاضا واضحا في عدد عمليات الفساد؛ حيث انخفض مجموع عمليات الفساد من 180,200,000 عام 1998 إلى 80,90,000 عام 2004، وحاليا تحتل المرتبة 75 في الدول النزيهة بأربعين درجة من 100 وفق مؤشرات النزاهة عام 2012.
وتأتي تجربة سنغافورة والتي تعد من أنجح التجارب الدولية في مكافحة الفساد؛ حيث تحتل المرتبة الخامسة بين دول العالم طبقا لتقرير منظمة الشفافية العالمية عن عام 2012 بحصولها على 87 درجة، مما يعكس نجاحها في مكافحة الفساد.
 قامت سنغافورة بإنشاء  "مكتب التحقيقات في ممارسات الفساد"، كهيئة مستقلة عن الشرطة، تقوم بالتحقيق في وقائع الفساد سواء في القطاع العام أو الخاص، وقد تم إنشاؤه عام 1952، ويرأس هذا المكتب مدير يتبع رئيس الوزراء مباشرة. وقد قام المكتب بالعديد من الأدوار، فكان يرسل التقارير إلي الجهات التي يتبعها المتهمون بممارسة الفساد، ويقوم بمراجعة منظومات العمل في الهيئات الحكومية المختلفة وإعادة هندستها بما يعمل على التقليل من ممارسات الفساد، وتقديم مقترحات لمكافحة الفساد في الجهات المختلفة، وعمل لقاءات مع المسئولين خاصة الذين يتعاملون مع الجمهور للتأكيد على مبادئ الشرف والنزاهة ومكافحة وتجنب الفساد.
"قطر" على طريق الشفافية
ومن المنطقة العربية ربما تكون التجربة القطرية من أكثر التجارب التي تستحق الاهتمام؛ إذ إن هذه الدولة الصغيرة استطاعت أن تحتل مرتبة مرتفعة في مؤشرات النزاهة، فقد ارتفت مرتبتها من 38 عام 2004 إلى 27 عام 2012، والواقع أن تقدم قطر في مجال مكافحة الفساد، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التقدم الذي أحرزته قطر على العديد من المستويات الأخرى، اقتصاديا وسياسيا وحتى من حيث المكانة العربية والإقليمية والعالمية. ويمكن القول أنه على الرغم من اعتماد الملكية كنظام سياسي في الدولة، إلا أن قطر شهدت عملية تحول سياسي منذ وصول الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى السلطة عام 1995.  فقد كان له الفضل في إدخال "درجة من التحرر السياسي غير المسبوق في منطقة الخليج".
كما شرعت قطر في الآونة الأخيرة في تنفيذ تشكيلة واسعة من الإصلاحات، بما في ذلك توسيع الحقوق السياسية للمرأة، ووضع دستور لإضفاء الطابع الرسمي على السلطة، وإجراء إصلاح جذري لكيفية تنظيم المعلومات والسيطرة عليها. لذا فإن قطر تعتبر نفسها دولة رائدة في إرساء الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط.
ومن الواضح أن هناك نوع من الابتكار لدى النخبة الحاكمة للحفاظ على شرعيتها، ومن أهم هذه الابتكارات النظر بجدية لمسألة شفافية المعلومات، وهو الأمر الذي يرتبط بظهور قناة الجزيرة، التي أخذت في الترويج لرؤية حمد بن خليفة وبرنامجه للإصلاح الاقتصادي.
وفي عام 1998، ألغى الأمير وزارة الإعلام، كخطوة نحو إلغاء السيطرة على المعلومات، مما مهد الطريق لقناة الجزيرة لتنشأ باعتبارها "قناة مستقلة"، على الرغم من أنها تواصل الاعتماد على الدعم المالي من الحكومة من أجل البقاء.
ويمكن القول أن سياسة الأسرة الحاكمة اعتمدت على الاستفادة من العولمة والشفافية لتوطيد أركان حكمها، بل ومحاولة الوصول إلى زعامة المنطقة، من خلال تأسيسها هيئة للرقابة الإدارية والشفافية تتبع مباشرة حاكم البلاد، باعتبارها نقطة ارتكاز لسعي الدولة للوصول إلى أعلى مستويات النزاهة من جهة، وتقديم نفسها كنموذج يحتذى به في المنطقة ككل من جهة أخرى.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق