الجمعة، 2 نوفمبر، 2012

في ورقة صادرة عن منتدى البدائل العربي




أسباب عزوف المصريين عن التأمينات الاجتماعية
أمل خيري
جريدة الشعب
 
من أهم دعائم نظام الضمان الاجتماعي، التأمين الاجتماعي (المعاشات)، وبرامج الدعم  والمساعدات؛ لذا قام منتدى البدائل العربي للدراسات بالقاهرة بعقد سيمنار حول نظام التأمينات الاجتماعية (المعاشات) القائم على اشتراكات أعضائه ودراسة تأثيره على الأفراد، وخرجت نتائج السيمنار في ورقة بحثية أصدرها المنتدى في أكتوبر الماضي بعنوان "نظرة مجتمعية حول نظام التأمين الاجتماعي المصري التحديات والإصلاحات المقترحة".
بقوم نظام التأمين الاجتماعي المصري على أساس استخدام اشتراكات العاملين الحاليين لسد استحقاقات المعاش للمتقاعدين الحاليين، وتدير الهيئة القومية للتأمينات هذا النظام من خلال صندوقين منفصلين، أحدهما للعاملين بالحكومة والثاني للعاملين بالقطاع الخاص والعمال العرضيين، كما توجد 4 قوانين تحدد نظام التأمين الاجتماعي لكل فئة من فئات المشتغلين، وبصفة عامة يعد الاشتراك إجباريا على كل مشتغل في سوق العمل ماعدا العمالة العرضية والمصريين بالخارج حيث يكون اشتراكهم اختياريا.
ونتيجة لطبيعة نظام المعاشات الحالي فإنه يواجه عددا من التحديات، من أهمها عزوف المشتغلين عن الاشتراك في نظام المعاشات؛ فما زال هناك 43,2% من إجمالي القوى العاملة غير مؤمن عليها، وغير مشتركين في هذا النظام ويطلق عليهم القطاع غير الرسمي، وأغلبهم من الشباب والنساء.
وهناك عدة أسباب لتفسير هذه الظاهرة، على رأسها تهرب صاحب العمل من التأمين على المشتغلين لتجنب دفع نصيبه من الاشتراكات الشهرية المرتفعة؛ إذ تبلغ قيمة الاشتراكات 40% من الأجر التأميني للموظف، يدفع منها صاحب العمل 26% عن الأجر الأساسي، و15% عن الأجر المتغير، وتعد هذه النسب من أعلى النسب في العالم، مما يجعل تكلفة العامل المؤمن عليه أعلى بكثير من غير المؤمن عليه.
وقد يعود التهرب إلى رغبة المشتغل نفسه في تفادي تكلفة الاشتراك، أو عدم ثقته في النظام التأميني، أو عدم اقتناعه بجدواه، وهي نظرة منتشرة لدى الشباب خاصة في المناطق الريفية، إضافة إلى أن القيمة المنخفضة للمعاشات وبيروقراطية النظام وطوابير استلام المعاشات، وضعف تفعيل القانون وسوء الرقابة،  كلها من أسباب عزوف المواطنين عن الاشتراك في المعاشات.
ويرتبط نظام حساب استحقاقات المعاش أيضا بعدد من الحوافز السلبية التي تدفع للتهرب منه، فعلى سبيل المثال وضع حد أقصى للأجر الشهري الذي يسمح بالتأمين عليه (الأجر التأميني)، والذي وصل إلى 1750 عام 2011، يجعل أصحاب الدخول المنخفضة يدفعون كامل الاشتراكات فيما يؤدي أصحاب الأجور المرتفعة الاشتراكات عن جزء فقط من أجورهم المرتفعة، مما يجعلها كأنها نوع من الضريبة التنازلية التي تتناقص كلما ارتفعت الأجور، وهو ما يتنافى مع مبدأ العدالة الاجتماعية، مما يدفع أصحاب الأجور المنخفضة للتهرب من الاشتراك في هذا النظام.
كما تحسب المعاشات كذلك بناء على أسلوب المزايا المحددة حسب عدد سنوات الاشتراك ومقدار الأجر خلال عدد محدد من السنوات قبل التعاقد، ومن ثم لا تتصل قيمة المعاشات بقيمة الاشتراكات المدفوعة؛ فعلى سبيل المثال يحسب المعاش الكلي بجمع الأجر الأساسي والمتغير، ويحسب المعاش عن الأجر الأساسي بمتوسط قيمته في العاملين السابقين للتقاعد لموظفي القطاع العام، في حين يحسب على أساس متوسط قيمة الأجر الأساسي بما يوازي خمس سنوات تسبق التقاعد بالنسبة للقطاع الخاص أو عامين قبل التقاعد مضافا إليهما 40% (أيهما أقل)، وفي كل الأحوال لا يتعدى معاش الأجر الأساسي قيمة الحد الأقصى؛ مما يدفع العاملين في القطاع الخاص لتعمد الاشتراك بأجر أقل من الأجر الحقيقي في سنوات عملهم الأولى لدفع اشتراكات أقل، ثم الاشتراك بقيمة الأجر الحقيقي قبل التقاعد مباشرة، مما يفسح مجالا للتلاعب في الأجر التأميني فتنخفض حصيلة الاشتراكات وينتج خللا في عدالة التوزيع.
وعلى الرغم من التكلفة المرتفعة للاشتراكات إلا أن القيمة الحقيقية للمعاشات المصروفة للمتقاعدين غير كافية لضمان مستوى معيشي كريم؛ نظرا لانخفاض الحد الأقصى ولعدم مواكبة المعاشات لمستوى التضخم، ويعد هذا من أهم الأسباب التي تجعل المشتغلين يعزفون عن الاشتراك في نظام المعاشات ويفضلون عليه إيداع مدخراتهم في البنوك.
وفي ظل النظام الحالي يتم تمويل المعاشات من أموال الاشتراكات الحالية للعاملين مما يجعلها مرتبطة بقوة العمل الحالية والتي كلما ارتفت، كلما زاد عدد المشتركين وحصيلة الاشتراكات، والعكس صحيح فكلما انخفضت قوة العمل كلما انخفضت حصيلة الاشتراكات ومن ثم قيمة المعاشات، مما يجعل الدولة عاجزة عن سداد المعاشات فتضطر لتمويل العجز من الموزانة العامة للدولة.
وأخيرا فإن وجود أربعة أنظمة مختلفة للتأمين الاجتماعي كل منها لفئة من فئات العاملين يعوق تحرك قوة العمل من فئة إلى أخرى؛ فعلى سبيل المثال إذا رغب موظف في القطاع الخاص في بدء مشروعه الخاص، يتحول من فئة الموظفين إلى فئة أصحاب الأعمال، وكل منهما له نظامه التأميني المختلف، مما ينشيء صعوبات مالية وإدارية، وتصبح التنقلات معقدة.
وفي ختام الورقة قدم المشاركون في السيمنار عددا من التوصيات، أبرزها ضرورة وضع توصيات موجهة لأصحاب الأعمال لتشجيعهم على التأمين على العاملين لديهم مثل تقديم تخفيضات أو مزايا أو تسهيلا ضريبية لكل موظف يتم التأمين عليه، وتفعيل الرقابة والقانون، ومراجعة وتخفيض معدلات اشتراكاتهم التي يؤدونها عن موظفيهم خصوصا بالنسبة لأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة.
كما توصي الورقة بتوجيه حملات توعية للمواطنين حول نظام التأمين الاجتماعي ومزاياه ودعم ثقة المواطن بمزيد من الشفافية، مع إلغاء الحد الأقصى حتى لا يعد ضريبة على أصحاب الأجور المنخفضة، وكذلك الربط بين الاشتراكات والمعاشات واستثمار أموال المعاشات في صناديق استثمار مربحة وبأقل قدر من المخاطر، كما طالبت الورقة بتوفير حوافز للعاملين في القطاع غير الرسمي للانضمام لمنظومة المعاشات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق