الاثنين، 5 نوفمبر، 2012

من "التجارة العادلة" إلى "التجارة الطيبة".. رحلتي مع رسالة الماجستير




       لا يخفى على الجميع ما يتعرضُ له صغارُ المنتجين من المزارعين والحرفيين في الدول النامية من شتى صور الظلم، حيث يتم استغلالُهم على أيدي كبار التجار والمستوردين الذين يشترون منهم منتجاتِهم بأسعارٍ بخسة ثم يبيعونها في الأسواق الدولية بأسعار مرتفعة في ظل نظام تحرير التجارة، مما جعل هؤلاء المنتجين بعيدين عما يحدثُ في الأسواق العالمية، فازدادوا فقراً وتهميشاً.

     الأمرُ الذي استرعى اهتمامَ الباحثةِ لمحاولة إيجاد آلياتٍ عملية لتحقيق العدالةِ التجارية، فكان أن وجدتُ بُغيتي في قيام حركة التجارة العادلة Fair Trade التي تبنت هدفَ رفعَ الظلم عن هؤلاء المنتجين بإدماجهم في الأسواق العالمية وبيعِ منتجاتهم بأسعار عادلة، وتلافي الآثار السلبية لتحرير التجارة على هؤلاء المنتجين، ولما لم أجدُ أيَ كتابات عن هذه الحركة في المكتبات العربية قررتُ أن أخوضَ غمارَ التجربة وأن أحاولَ تقديم فكرة ٍ وافية عن هذه الحركة وجهودِها المنتشرة في معظم الدول النامية، التي تكللَّ نجاحُها بإنشاء المنظمة الدولية للتجارة العادلة عام 1989م، كهيئةٍ تمثيليةٍ عالمية، تضمُ ما يقربُ من 500 منظمة ملتزمة بمبادئ التِّجَارَة العَادِلَة، وتعملُ في أكثر من 75 دولة من دول العالم النامي، وقد بلغت قيمةُ المبيعات العالمية المعتمدة للتجارة العادلة 4,36 مليار يورو عام 2010، وتُقدِّر المنظمة الدولية للتجارة العادلة، أن ما يزيدُ عن 7,5 مليون منتِج وعائلاتهم في الوقت الحالي يستفيدون من التِّجَارَة العَادِلَة.

           غير أني بعد دراسة هذا النظام التجاري وآثاره الإيجابية على صغار المنتجين، وجدتُ أن تطبيقَ هذا النموذج تتخللُه بعضُ المحظوراتِ الشرعية المتعلقة بالتمويل والإنتاج والتبادل التجاري، خاصة أنه من بين الدول الأعضاء السبع وخمسين في منظمة التعاون الإسلامي توجد خمسون دولة يعمل بها منتجون في إطار هذه المنظومة دون أيَ ضوابطٍ شرعيةٍ محددة.

فبدأتُ في البحث عن نظمٍ تجاريةٍ بديلة قد أجد فيها بديلاً عن التجارة العادلة من حيث تحقيق العدالة وفي الوقت نفسه الاستجابة لمتطلبات الشريعة الإسلامية، فكان أن اتجهتُ لدراسة نظام التجارة الحلال Halal Trade الذي بدأت بعضُ الجاليات الإسلامية في أوروبا تطبيقَه منذ النصف الثاني من القرن العشرين؛ بهدف توفير مُنتَجاتٍ تتوافقُ مع مبادئَ الشَّريعَة الإسلامية.

وتَحقَّق لمنتجات التجارة الحلال الانتشارُ في أغلب دول العالم إسلامية وغير إسلامية، وأقبل المستهلكون حتى من غير المسلمين على هذه المُنتَجات الآمنة صحياً، وتُقدَّر مبيعاتُ المُنتَجات الحلال بحوالي 3,5 تريليون دولار عام 2010م، مع توقعات بأن تصل إلى حوالي 6,4 تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2020م.

إلا أنه بعد الدراسة المستوفية توصلتُ إلى أن نظامَ التجارة الحلال أيضاً كان قاصراً عن تحقيق أهداف العدالة التجارية الشاملة من المنظور الإسلامي؛ نظراً لاقتصاره على المُنتَجات الحلال في صورتها النهائية، دون التفاتٍ إلى مدى التزام مراحل العملية الإنتاجية بمبادئَ الشَّريعَةِ الإسلاميةِ، في رعاية مصالح صغار المُنْتِجين، وتقديمِ الأسعار العادلة. 

من هنا حاولت التصدي لهذه التحديات سواء ما يتعلق منها بالعدالة الإنتاجية والتجارية أو ما يتعلق بالضوابط الشرعية فتولدت لدي الفكرةُ بمحاولة العمل على إصلاح ما يعتري نموذجي التجارة العادلة والتجارة الحلال من أوجهَ قصور، أو العملِ على اقتراح نموذج تجاري جديد يستجيب لمتطلبات الشريعة الإسلامية من جهة، ويحقق العدالةَ الإنتاجية والتجارية من جهة أخرى، فكان اقتراح نموذج يحملُ اسمَ التجارة الطيبة Good Trade، والذي يقومُ على الجمع بين مزايا كلٍ من التجارةِ الحلال والتِّجَارَةِ العَادِلَة، دون إغفالِ تفادي أوجهَ القصورِ في هذه الأنظمة، من خلال تأصيله على مبادئَ وأُسسَ إسلاميةٍ واضحةٍ ومرنة، تؤكدُ شموليةَ الفكرِ الإسلامي في ضمانِ تحقيقِ العدالةِ التجارية، والتي تضمنُ حقوقَ كلٍ من المُنْتِجينَ والمستهلكينَ والعمالَ، وتُقَدِّمُ بدائلَ متنوعةٍ للتمويلِ الإنتاجي لا تحتوي على ربا أو صورٍ من البيوع المحرمة، كما تمتدُ إلى حماية البيئةِ من الممارساتِ الضارة.

وإزاءَ ذلك فقد حرصتِ الدراسةُ على استجلاءِ هذه الجوانبَ من خلالِ ثلاثةَ محاورَ أساسية؛
تناول المحور الأول التعريف بنظام التجارة العادلة وأهدافه ومبادئه.
أما المحور الثاني فقد قام بتحليل انعكاسات تطبيق نظام التِّجَارَة العَادِلَة على صغار المُنْتِجين في الدول النامية.
ثم المحور الثالث والأخير، الذي بحث مدى توافق كل من نظامي التجارة العادلة والتجارة الحلال مع أحكام الشَّريعَة الإسلامية، منتهيا باقتراح نموذج تجاري إسلامي بديل.

وقد توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج من أهمها:
أن هناك العديد من الآثار الإيجابية لتطبيق نظام التِّجَارَة العَادِلَة على صغار المُنْتِجين، فمن أهم النتائج على المستوى الاقتصادي: استقرار دخول المُنْتِجين، وتحقيق مستوى لائق من المعيشة، بالإضافة إلى تعزيز القدرات التنظيمية لصغار المُنْتِجين، وتدعيم القدرات الإنتاجية للمجتمع، واستهداف التنمية المحلية.
أما على المستوى البيئي: فقد ساهم تطبيق هذا النظام في حماية البيئة، والحد من آثار تَغَيُّر المُناخ.
وعلى المستوى الاجتماعي: كان للتجارة العادلة دور هام في العمل على تمكين المرأة، ومواجهة عمالة الأطفال.

كما توصلت الدراسة إلى أنه إذا كانت التِّجَارَة الحرة أضرت بمصالح صغار المُنْتِجين في الدول النامية، والتجارة العادلة تتضمن محظورات شرعية، والتِّجَارَة الحلال ركزت على المنتَج النهائي، دون أن تمتد إلى تحقيق العدالة في العملية الإنتاجية، لذا فقد اقترحت الدراسة مسارين للاستجابة لمتطلبات إصلاح المنظومة التجارية في البلدان الإسلامية، أحدهما: مرحلي مؤقت والثاني نهائي، فأما المرحلي فيعتمد على مقترحات لعلاج أوجه النقص التي تشوب كلاً من نموذجي التِّجَارَة العَادِلَة والتِّجَارَة الحلال، وأما المسار النهائي الذي اقترحته الدراسة فينبني على تطبيق نظام "التجارة الطَّيِّبَة"، والذي يتأصل فى خمسة معايير رئيسية (اقتصادية – اجتماعية – بيئية- توظيفية- شرعية) لاعتماد المُنتَجات، يتولى رعايتها بناء هرمي مؤسسى، تأتي على قمته المنظمة الإسلامية العالمية للتجارة الطَّيِّبَة، كمظلة قانونية راعية لهذا النموذج تتولي وضع الأطر العامة لتطبيقه.


وقد انتهت الدراسةُ إلى اقتراحِ مجموعةٍ من التوصيات التي نأمل أن تجدَ طريقَها للتطبيق العملي، وأن ينفعَ اللهُ بها المسلمين، ومن أهم هذه التوصيات:

أولا: الدعوةُ إلى تطبيق النموذج الإسلامي المقترح للتجارة الطَّيِّبَة، ويمكن لأي من الدول ذات المكانة الكبيرة في العالم الإسلامي (كمصر أو تركيا) على سبيل المثال القيام بمهمة الدعوة لتبني إنشاء هذه المنظمة.

ثانيا: إنشاءُ علامة تجارية دولية تحمل شعار طَيَّبات تختص المنظمةُ الراعيةُ لمنظومة التِّجَارَة الطَّيِّبَة باعتماد معاييرها، بالتعاون مع المعهد الإسلامي للمعايير والمقاييس.

ثالثا: تقترح الدراسةُ تفعيلَ دور الأوقاف والزكاة في تمويل المُنْتِجين داخلَ منظومة التِّجَارَة الطَّيِّبَة، بالإضافة إلى صيغ التمويل الإنتاجية الأخرى، استرشاداً بما كان لهما من دورٍ عظيم الأثر في تمويل صغار المُنْتِجين في الحضارة الإسلامية.

وأخيراً تدعو الدراسةُ إلى استثمار الصعود الإسلامي الواضح في بلدان ثورات الربيع العربي، في تحفيز تطبيق منظومة التِّجَارَة الطَّيِّبَة، كجزءٍ من خطط الإصلاح الاقتصادي ذات التوجه الإسلامي في تلك البلدان. 


وقد تم تقديم الرسالة للمناقشة تحت عنوان "نظام التِجَارة العَادِلَة في الاقتصادات المعاصرة دراسة مقارنة بالفكر الإسلامي"، يوم السبت الموافق 3 نوفمبر 2012 بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية، وتكونت لجنة الحكم والمناقشة من  الأساتذة الدكاترة:

الأستاذ الدكتور/ نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية - جامعة الأزهر، ومفتي الديار المصرية السابق (رئيساً)، والأستاذ الدكتور/ يوسف إبراهيم يوسف أستاذ الاقتصاد، ومدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي – جامعة الأزهر (عضواً)، والأستاذ الدكتور/ سامي السيد فتحي أستاذ الاقتصاد، ومدير مركز دراسات واستشارات الإدارة العامة – جامعة القاهرة (عضواً)، والأستاذ الدكتور/ عبد الباسط وفا أستاذ الاقتصاد، ووكيل كلية الحقوق للدراسات العليا - جامعة حلوان (مشرفاً وعضواً).
وجاء قرار لجنة الحكم والمناقشة بمنح الباحثة درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية شعبة الاقتصاد بتقدير ممتاز.

هناك تعليق واحد:

  1. جزاكِ الله خيرا. كيف استطيع ان اقرأ الرسالة كاملة؟

    ردحذف