الثلاثاء، 25 سبتمبر، 2012

هل تستمر أمريكا على نهج المساعدات الاقتصادية المشروطة لمصر؟



صداع في رأس الإدارة الأمريكية


بقلم: أمل خيري

تثير الجولات المكوكية التي يجريها الرئيس محمد مرسي والاتفاقيات الاقتصادية التي يوقعها شرقا وغربا العديد من المخاوف لدى الإدارة الأمريكية سواء الحالية المتمثلة في أوباما وحزبه الديمقراطي، أو المتطلعة للرئاسة المتمثلة في رومني وحزبه الجمهوري.
لقد أضحى مرسي صداعا في رأس الأمريكيين، الذين يخشون من فقدان مصالحهم في أكبر دولة محورية في الشرق الأوسط، والتي مثلت حليفا استراتيجيا على مدى ثلاثين عاما، ليأتي الرئيس المنتخب ذي الأصول الإسلامية ليثير ارتباكا لدى الإدارة الأمريكية، الأمر الذي يدفع أوباما للتصريح أن مصر ليست عدوا ولا حليفا.
ولأن السياسة الخارجية لا تنفصل عن المصالح الاقتصادية؛ فإن دلالات تأخير الرئيس المصري لزيارته لأمريكا واستباقه ذلك بزيارات للصين ودول الخليج وجولاته الأوروبية، قد وجه رسالة للأمريكيين مفادها أن مصر لم تعد الدولة التابعة لأمريكا، والتي تدور في فلكها، بل أصبحت تؤسس سياستها الخارجية وفقا لمصالحها الاقتصادية.
نلحظ مثلا هذا التخوف  في مقال كتبه إيرين كونينجهام في صحيفة "جلوبال بوست" بعنوان "هل اشترت الصين مصر من أمريكا؟!"، والذي أبدى فيه مخاوفه من سعي الرئيس المصري لتوثيق علاقاته الاقتصادية بالصين متجاهلا الولايات المتحدة، ومنوها إلى تغول الدور الاقتصادي الصيني في مصر بدءا من تدفق الاستثمارات ونهاية ببيع الصين أسلحة لمصر، وهو ما جعله يلوح بورقة المساعدات الأمريكية لمصر، مستنكرا أن تحصل مصر على المعونة المالية من أمريكا ثم تشتري بها أسلحة من الصين، معتبرا أن الصين بذلك قد اشترت مصر من أمريكا بأموال الأخيرة، وهو ما يشير إلى أن مسألة المساعدات الأمريكية مازالت تمثل غصة في حلق الأمريكيين الذي يعتقدون أن من حق أمريكا أن تفرض شروطها على مصر مقابل ما تمنحه لها من أموال تخرج من جيب دافعي الضرائب الأمريكيين، تبلغ نحو 1,5 مليار دولار.  
تكرر الأمر من قبل الصهيوني روبرت ساتلوف، مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي يموله اللوبي الصهيوني (إيباك)، فقد صرح ساتلوف طيلة الشهر الماضي بأكثر من تصريح ينم عن الحقد والعداء الذي يكنه للإسلاميين وعلى رأسهم الرئيس المصري، فقال بالنص: "الولايات المتحدة تستطيع فرض رؤيتها على الإخوان باستخدام ورقة المساعدات العسكرية والاقتصادية ونفوذها في المؤسسات المالية العالمية". ولمن لا يعرف ساتلوف فهو صهيوني أمريكي له تاريخ طويل في الكتابة عن الإسلاميين خاصة في الشرق الأوسط، وله دور كبير في تحذير الإدارة الأمريكية من السماح للإسلاميين بالوصول للحكم.
فعلى سبيل المثال قدم ساتلوف عقب الثورة في مصر تقريرا استخباراتيا للجنة مجلس النواب الدائمة للاستخبارات ومكافحة التجسس والإرهاب في الولايات المتحدة، حذر فيه من خطورة وصول الإخوان  للسلطة في مصر، مقررا أن تخلي الإخوان المؤقت عن العنف كان نتيجة ضغط وإكراه، وأنهم لن يلبثوا أن يعودوا إلى العنف فور تمكنهم من تولي السلطة، مما سيكون له تداعيات خطيرة على مستقبل اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل وعلى النفوذ الأمريكي في المنطقة على حد قوله، وقدم توصياته بضرورة قيام أمريكا بالحيلولة دون وصول أي من التيارات الإسلامية للسلطة، مع بناء ودعم تيارات صديقة وتمويلها بكل ما يلزمها من مال لتشويه التيارات الإسلامية وتخويف الشعوب منها، وهو ما تم تنفيذه بدقة.
وعقب هجمات رفح كتب ساتلوف مقالا يحرض فيه الإدارة الامريكية على تهديد النظام المصرى بقطع المعونة العسكرية، ويحذرها من دعم الاقتصاد المصري. وهو الأمر الذي تكرر في مقاله الأخير بصحيفة "الواشنطن بوست"، الذي حذر فيه الإدارة الأمريكية من مقابلة مرسي ما لم يعترف صراحة بمسئولية القاعدة عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، مؤكدا أن الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية يؤمنون بنظرية المؤامرة، ويروجون لتبرئة القاعدة من هذه الهجمات، وهو ما صرح به مرسي عدة مرات، حتى قبل توليه السلطة بسنوات، ولم يغفل ساتلوف في نهاية مقاله أن يكرر دعوته لربط المساعدات الأمريكية بضرورة إلتزام مصر بالشراكة مع أمريكا في مكافحة الإرهاب، قائلا: "يجب منع هذه المساعدات عن مصر حتى يغير الرئيس المصري من خطابه الأيديولوجي البغيض".
كما كانت هناك الكثير من الدعوات الرسمية حتى من بين أعضاء من الكونجرس الأمريكي بضرورة قطع المساعدات الأمريكية عن مصر، أو حتى جعلها مشروطة، حيث أعدّ بعض أعضاء الكونجرس مشروع قانون يمنع تقديم المساعدات لمصر على خلفية أحداث السفارة الأمريكية الأخيرة، وذلك بضغوط من بعض أقباط المهجر، الذين بحثوا مع عدد من نواب الكونجرس الإجراءات التصعيدية ضد مصر، كما أعلنوا تنظيمهم للمظاهرات والاحتجاجات اعتراضا على زيارة الرئيس محمد مرسى لأمريكا.
وأشارت صحيفة "الواشنطن بوست" إلي أن السيناتور بوب كروكر، قال في رسالة الكترونية تلقتها الصحيفة أن أمريكا كانت على استعداد لتقديم المساعدات لمصر، إلا أن ردود أفعال الرئيس المصري الجديد ليست مقبولة، كما قال توم نايدز نائب هيلاري كلينتون "نحن لا نسلم الناس المال إذا كانوا لا يريدونه أو إذا كانوا يريدون تلك الأموال لأسباب مختلفة عن الولايات المتحدة"، في إشارة إلى أن هناك تحفظات أمريكية على النهج المصري الجديد الذي يسير باستقلالية عن الإدارة الأمريكية.
وهذه التحركات والتصريحات تنبه لها الرئيس المصري بالتأكيد، وربما كانت محركا له في تنفيذ سياسته الخارجية، خاصة الاقتصادية منها خلال شهرين فقط من حكمه، فعمل على تنويع مصادر جذب الاستثمارات، ربما للاستغناء التدريجي عن المعونة الأمريكية، وكذلك ضمانا لعدم خضوع مصر مستقبلا لجهة واحدة تملي شروطها مقابل حفنة من الدولارات، وقد أدركت أيضا الإدارة الأمريكية هذه الرسالة جيدا، مما يفسر مسارعة الشركات الأمريكية لضمان موطئ قدم لها على خريطة الاستثمارات في مصر في نفس الأسبوع الذي زار فيه مرسي الصين.
وعلى الرغم من تأكيد الرئيس أكثر من مرة على احترام مصر لاتفاقية السلام، إلا أنه يتوجب على الإدارة المصرية أن تعيد النظر في مسألة المعونة العسكرية الأمريكية، حتى لا تظل ورقة ضغط في يد الإدارة الأمريكية كما كانت في ظل النظام البائد. وبمزيد من الشفافية والمصارحة سيحظى الرئيس بدعم الشعب المصري الذي ما يزال يرفض التطبيع، ويعتبر اتفاقية السلام عارا يجب التخلص منه، والمعونات المشروطة إذلالا لكرامته.
نشر بجريدة الشعب عدد11
25 سبتمبر 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق