الثلاثاء، 26 مارس، 2013

العدالة التجارية بين الإسلام والنظم الوضعية (1-3)

فى ظل العولمة وتحرير التجارة.. هل يمكن أن تصبح التجارة عادلة؟


بقلم: أمل خيرى
نشر بجريدة الشعب الجديد الورقية
 
شغلت قضية العدالة التجارية العديد من المفكرين من مختلف المدارس الفكرية، ومع ذلك ظل الظلم واقعا على صغار المنتجين، خاصة فى الدول النامية، الذين يبيعون منتجاتهم بأسعار بخسة لا تكاد تكفى احتياجاتهم الأساسية، فى حين تمتلئ جيوب الوسطاء التجاريين الذين يستغلون فقر هؤلاء وضعفهم وصعوبة وصولهم إلى الأسواق الدولية وجهلهم بالأسعار الحقيقية التى تباع بها هذه المنتجات.
وفى ظل العولمة وسياسات تحرير التجارة بين الدول، لا نزال نجد الكثير من أنصار العولمة، الذين يرون أن عولمة الاقتصاد من شأنها إتاحة فرص لا مثيل لها لزيادة الثروات والقدرات الاقتصادية، وأن تحرير التجارة وإزالة العوائق المفروضة على تدفق رءوس الأموال وحركة السلع، سيفضى إلى مزيد من النمو الاقتصادى لجميع دول العالم، بما فيها الدول النامية، ومن ثم خفض معدلات الفقر.
ومع ذلك فإن هذه العولمة جاءت على حساب الدول الأكثر فقرا فى العالم، وأثبت الواقع للكثيرين أن فوائدها لم تتوزع على الجميع بالتساوى؛ فالرخاء والنمو لا يزالان من نصيب الدول الصناعية المتقدمة، بينما ازدادت الدول النامية فقرا وتخلفا؛ فلا يزال هناك نحو 1,4 مليار شخص يعيشون على أقل من 1,25 دولار فى اليوم، وبالإضافة إلى ذلك يوجد أكثر من مليار شخص يعانون الجوع فى العالم، وتقدر تكلفة الجوع بالنسبة إلى الدول النامية بنحو 450 مليار دولار سنويا.
وبفضل سياسات تحرير التجارة أخذت صادرات الدول المتقدمة فى الزيادة المطردة، فى الوقت الذى لم تحظ صادرات الدول النامية بمثل هذا التزايد؛ نتيجة التقسيم الدولى للعمل الذى أفضى إلى تخصص الدول النامية فى المواد الأولية، وتخصص الدول المتقدمة فى الإنتاج الصناعى، فوفق إحصاءات البنك الدولى لعام 2009م، لم يتعد نصيب الدول ذات الاقتصاد المنخفض والمتوسط 0,6% من إجمالى الصادرات العالمية من السلع، و0,7% من تجارة الخدمات. من هنا فقد نشأت حالة من الظلم البيّن لصغار المنتجين فى الدول النامية، وهذا أثر واضح لتطبيق مبادئ التحرير التجارى، الذى نادت به منظمة التجارة العالمية.
ونتيجة لهذا الظلم فقد اقترح البعض بدائل أخرى لنظم تجارية تحقق قدرا أكبر من العدالة فنشأت حركة «التجارة العادلة» Fair trade، والتى تعود أصولها إلى مجموعة من التحركات الشعبية فى عدد من الدول الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية، للتضامن مع دول العالم الثالث منذ الحرب العالمية الثانية.

نشأة التجارة العادلة

وبالعودة إلى جذور هذه الحركة نجد تباشيرها بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادى، وذلك من خلال جهود فردية للمبشرين الذين كانوا يصاحبون الحملات الاحتلالية، والذين أرادوا تطبيق وسيلة جديدة للتبشير فى المستعمرات، تعتمد على الأساليب التجارية، فكانوا يجلبون معهم منتَجات يدوية صنعها حرفيون من دول الجنوب، لبيعها مباشرة فى دول الشمال داخل الكنائس وفى المنازل، دون وجود وسطاء تجاريين، محاولةً منهم لدفع سعرٍ عادل لهؤلاء المنتجين الفقراء.
واستمرت هذه المحاولات الكنسية حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م، لتتحول الحركة من شكل تبشيرى إلى إنسانى؛ فاشترت بعض المنظمات الإنسانية والإغاثية (كمنظمة أوكسفام) منتجات صغار الحرفيين من الدول النامية بأسعار عادلة قريبة من الأسعار العالمية، ومن ثم إقامة معارض لهذه المنتجات فى دول الشمال والتى أقبل عليها الكثير من المستهلكين.
ونشأ العديد من هذه المنظمات فى الدول المتقدمة، وتحولت تدريجيا من شراء المنتجات الحرفية واليدوية إلى المنتجات الزراعية، وبحلول عام 1989 اندمجت جميع هذه المنظمات والتى تربو على 500 منظمة فى المنظمة الدولية للتجارة العادلة (WFTO)، والتى تعمل فروعها فى أكثر من 75 دولة نامية بهدف تمكين صغار المنتجين من تحسين أحوالهم المعيشية، وتوفير فرص الوصول إلى الأسواق، وتقديم الثمن العادل، ووضع قواعد اعتماد العلامة التجارية لمنتجات التجارة العادلة.
ويبلغ عدد الدول المنتجة فى منظومة التجارة العادلة حتى اليوم 143 دولة من إجمالى 192 دولة عضو فى الأمم المتحدة، أى نحو 75% من دول العالم، ويوجد حاليا أكثر من 4000 متجر لبيع منتجات التجارة العادلة، إضافة إلى أكثر من مائة ألف متطوع فى خدمة مشروعات هذا النظام التجارى الجديد، خاصة فى أوروبا، وتُشكِّل التجارة العادلة 0,028% من إجمالى التجارة العالمية البالغ 15,2 تريليون دولار؛ إذ تقدر مبيعاتها بنحو 4,36 مليارات يورو عام 2010م.
وتضع المنظمة الدولية لاعتماد منتجات التجارة العادلة (FLO) معايير إنتاج سلع التجارة العادلة، والتى تتحدد فى معايير (اقتصادية- اجتماعية- بيئية- توظيفية)، وقد اعتمدت المنظمة حتى الآن، خمس عشرة سلعة غذائية، وثلاثا غير غذائية، وهذه السلع فى تزايد مستمر.
ومن بين المنتجات المعتمدة: الموز، والبن، والكاكاو، والفواكه الطازجة والمجففة، والخضروات الطازجة، وعصائر الفواكه، والأعشاب والبهارات، والعسل، والمكسرات، والزيوت، والأرز، وقصب السكر، والشاى، والقطن، والنبيذ، والزهور العطرية، إضافةً إلى تصنيع كرة القدم الجلدية.
 وتعرف التجارة العادلة أنها «نهج بديل للتجارة الدولية التقليدية، وهى علاقة شراكة تجارية، تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة للمنتجين المهمّشين والمحرومين، خاصة فى دول الجنوب، وتسعى للقيام بذلك عن طريق توفير شروط تجارية أفضل، من خلال زيادة الوعى والحملات الدعائية».
وتقوم التجارة العادلة على عشرة مبادئ أساسية:
1-     خلق فرص للمنتجين المحرومين اقتصاديا.
2-    الشفافية والمساءلة.
3-    تشجيع الوفاء بالالتزامات التجارية.
4-    دفع سعر عادل Fair Price.
5-    تنظيم عمالة الأطفال ومواجهة العمل الجبرى.
6-    عدم التمييز والعدالة النوعية والحرية النقابية.
7-    توفير ظروف عمل آمنة للعمال.
8-    بناء قدرات وإمكانات المنتجين.
9-    تشجيع التجارة العادلة.
10-    تعزيز الاستدامة البيئية.
وتقوم المنظمة بدور الوسيط الذى يشترى مباشرة من المنتجين بأسعار عادلة، وتبيع هذه المنتجات فى دول الشمال لتقليل عدد الوسطاء المستغلين. أما على المستوى التطبيقى فهناك العديد من الآثار الإيجابية الناتجة عن تطبيق التجارة العادلة فى العديد من البلدان النامية، ومن أبرز هذه النتائج:
على المستوى الاقتصادى:
كان لتحرير التجارة آثار سلبية على صغار المنتجين فى الدول النامية؛ إذ لم يستطع هؤلاء الصمود فى مواجهة المنافسة الدولية، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج من أسمدة وبذور ونقل وتخزين، والإفراط فى الواردات الرخيصة، وزيادة الإعانات المقدمة إلى المزارعين فى الدول المتقدمة.
يكفى التدليل على ذلك بتذكر أن تدفق الواردات الغذائية الإجمالية فى إندونيسيا منذ مطلع القرن الحادى والعشرين بسبب سياسات التحرر أفضت إلى بطالة مليونى إندونيسى فى قطاع فول الصويا وحده، بعد أن كانت قد تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتى فى الزراعة قبل تطبيق هذه السياسات. كما أن الإعانات الزراعية التى قدمتها الولايات المتحدة إلى مزاعى القطن فيها بلغت 3,4 مليارات دولار، مما ترتب عليه خسائر للمزارعين فى إفريقيا الغربية والوسطى بلغت 301 مليون دولار.
وتؤكد الدراسات التجريبية أن تطبيق نظام التجارة العادلة قد حقق العديد من النتائج، مثل الوصول المباشر إلى الأسواق، والحصول على التمويل، وظروف عمل أفضل؛ فقد نجح تطبيق التجارة العادلة فى تمكين أُسر منتجى القهوة فى بوليفيا من الوصول إلى عتبة الحياة المستدامة؛ فقد حققت كل أسرة دخلا سنويا يصل إلى 3620 دولارا فى المتوسط، أى أكثر من المستوى المعيشى اللائق فى بوليفيا بنحو 1830 دولارا، مقابل دخل سنوى يبلغ 812 دولارا فقط لأسرة المنتِج غير المعتمَد فى منظومة التجارة العادلة (تعتبر الأسرة وصلت إلى عتبة الحياة المستدامة فى بوليفيا حين يصل دخل الأسرة السنوى إلى 1790 دولارا).
كما استطاع نحو 40% من منتجى القهوة وفق نظام التجارة العادلة فى بوليفيا، تأمين مستوى معيشى لائق لأسرهم، بفضل الأسعار المرتفعة التى حصلوا عليها من بيع القهوة، مكنتهم من الانتقال إلى مسكن أوسع، وشراء ملابس جديدة، وتحسين جودة ونوعية الطعام، وإرسال الأطفال إلى المدارس، وتمنكنت 70% من الأسر من إدخال الكهرباء للمنازل، وتوصيل مياه نقية صالحة للشرب بدلا من الآبار؛ وذلك بعد الانتقال إلى نظام التجارة العادلة، فى حين لم يتمكن أى من المنتجين غير المعتمدين فى منظومة التجارة العادلة من توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم.
من جانب آخر ساهمت التجارة العادلة فى تجنيب صغار المنتجين مخاطر الإفلاس والهجرة الجماعية، خاصة فى الفترات التى شهدت أزمة فى أسعار السلع الزراعية، ففى أمريكا الجنوبية أدت أزمة أسعار القهوة إلى إفلاس العديد من صغار المنتجين، إلا أن تطبيق نظام التجارة العادلة أنقذ الكثير منهم من الإفلاس، وفى الوقت الذى أجبرت فيه الأزمة آلاف المنتجين وذويهم على الهجرة إلى المجتمعات المجاورة، تمكَّن منتجو التجارة العادلة من البقاء فى أراضيهم، والاستثمار فى مشروعاتهم الزراعية، كما أنهم حصلوا على دخل أعلى أفضى إلى رفاهية الأسرة؛ إذ استطاع جميع من أجريت عليهم الدراسة توفير شبكات صرف صحى منزلى، وإمدادات مياه نظيفة، وشراء مواقد للطبخ، وإلحاق الأطفال بالمدارس.
أما الجانب الأكثر أهمية فى تطبيق التجارة العادلة، فيأتى فى شكل تعزيز منظمات صغار المنتجين، فمن جهة دعمت التجارة العادلة تمثيل المنظمات لمصالح صغار المنتجين، والقدرة على الضغط على الحكومات لصالح المنتجين، والتأثير فى السياسات الوطنية؛ فعلى سبيل المثال: عارضت جمعية «كوناكادو» لمنتجى الكاكاو فى الدومينيكان الضريبة التى فرضتها الدولة بمقدار 6 دولارات على كل قنطار كاكاو، ووصفتها بأنها غير عادلة وغير قانونية؛ لتأثيرها المباشر فى دخل المنتجين، وتمكنت الجمعية من الوصول إلى وسائل الإعلام، وممارسة نوع من الضغط السياسى على الحكومة؛ مما دفعها إلى التراجع عن فرض هذه الضريبة.
كما ساهمت منظمات التجارة العادلة فى العديد من مشروعات تطوير البنية التحتية للمجتمعات المحلية، وإنشاء مراكز الخدمات الصحية والتعليمية وتحسين الطرق، والتى كان لها دور هام فى تحسين أحوال السكان المحليين. 
فعلى سبيل المثال: استثمرت جمعية «كوابا كوكو» لمنتجى الكاكاو فى غانا عائدات المبيعات فى العديد من مشروعات تنمية المجتمع المحلى، والتى كان لها تأثير هائل فى الحد من الفقر، ومن أهم هذه المشروعات، حفر 174 بئرا للمياه الجوفية؛ مما أفضى إلى تخفيف العبء على النساء اللاتى كنّ يضطررن إلى السير لمسافات طويلة للحصول على مياه صالحة للشرب، وبناء خمس مدارس، واستراحتين، وجسر، و27 مطحنة ذرة، وإنشاء عيادة طبية متنقلة تزور القرى، تلقى فيها 100,000 شخص العلاج المجانى.

على المستوى البيئى:

كان تحرير التجارة الدولية أحد عوامل إفساد البيئة، والتى تتلخص فى استنزاف الموارد الطبيعية؛ فقد أدى تحرير التجارة إلى تسريع استخدام الموارد الطبيعية، التى بدورها يمكن أن تزيد التدهور البيئى، ومن أكثر صور استنزاف الموارد زيادة طلب الدول الصناعية على الأخشاب، التى أفضت إلى مزيد من عمليات القطع الجائر للغابات.
ومن جهة أخرى أدى تحرير التجارة إلى نشر استخدام المنتجات الغذائية المعدلة وراثيا، والتى لم تختبر صلاحيتها بعد، ويتوقع لها أن تفضى إلى تهديد النظام البيئى الطبيعى والتنوع الحيوى، ولن يُسمح فى ظل تحرير التجارة بقيام الدولة المستورِدة بإغلاق أسواقها أمام هذه المنتجات من جهة، كما أن تزايد الاتجار فيها سيفضى إلى مزيد من تركيز الثروة فى الدول المحتكرة لإنتاج هذه المنتجات – تستحوذ الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين على 98% من نسبة الإنتاج-؛ ومن ثم تهديد الأمن الغذائى للدول النامية من جهة أخرى.
وقد اهتم نظام التجارة العادلة بوضع المعايير البيئية اللازمة لاعتماد المنتجات، وشجع صغار المنتجين على الممارسات البيئية السليمة، وبالفعل تحول العديد من مزارعى التجارة العادلة نحو المنتجات العضوية، فقد تبنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) مشروعا لدعم مجموعات من صغار المنتجين، فى غرب ووسط إفريقيا، لإنتاج وتصدير بعض أنواع من الفاكهة الأسيوية العضوية المعتمدة فى منظومة التجارة العادلة، وقد تمكن المشروع من زيادة صادرات عدة دول من المنتجات العضوية.
كما عملت التجارة العادلة على مكافحة الآفات الزراعية بطرق سليمة بيئيا، تنطوى على حظر استخدام المبيدات الكيماوية، فعلى سبيل المثال منذ انضمامها إلى منظومة التجارة العادلة نجحت تعاونيات إنتاج الحمضيات فى جنوب إفريقيا فى التحول إلى ما سُمى بالإدارة المتكاملة للآفات عام 1995م، ومن ثم زادت مبيعات الحمضيات لنحو 60,000 طن سنويا، شارك فى إنتاجها 1200 مزارع، وتم تصديرها لأكثر من 50 دولة، وأصبحت حمضيات جنوب إفريقا واحدة من أعلى 300 علامة تجارية فى العالم؛ وذلك بفضل الإنتاج الخالى من التلوث بالمبيدات والآمن للصحة والبيئة؛ فقد انخفض معدل تلوث المياه، كما كان لحظر استخدام المبيدات تأثيره الإيجابى على صحة العاملين الزراعيين - خاصة من النساء- نتيجة التحول من عمليات الرش لطرق المكافحة البيولوجية. 
كما تساهم التجارة العادلة بدور هام فى المحافظة على مصادر المياه من خلال اتباع أساليب رى توفر فى استهلاك المياه؛ فعلى سبيل المثال: تتم زراعة القطن فى منظومة التجارة العادلة بنظام الرى عند الحاجة، بدلا من الرى بالغمر الذى يؤدى إلى تبخر المياه.

على المستوى الاجتماعى:

على الرغم من التطور الهائل الذى شهده العالم فى القرون الماضية عقب الثورة الصناعية، فلا يزال كل من النساء والأطفال يواجهون ظروفا صعبة فى قطاعات الإنتاج المختلفة، خاصة فى ظل سياسات تحرير التجارة.
فتُواجه المرأة فى المجتمعات النامية العديد من المشكلات فى سوق العمل؛ كالتعرض للتمييز والحرمان والتهميش، خاصة فى المجتمعات الريفية، وارتفاع أعداد النساء المعيلات، وانخفاض أعداد النساء العاملات بأجر، وزيادة أعداد العاملات فى القطاع غير الرسمى، بالإضافة إلى نقص الخدمات الاجتماعية.
وتسعى منظومة التجارة العادلة لجعل التجارة العالمية أكثر إنصافا للنساء، من خلال العمل على تعزيز مشاركة المرأة فى المنظمات، وتطوير مهاراتها الإنتاجية والإدارية، بالإضافة إلى تمكين المرأة فى قطاع الإنتاج اليدوى، وتيسير حصولها على القروض.
فقد زادت نسبة عضوية النساء فى منظمات التجارة العادلة من 18% عام 2008م إلى 20% عام 2010م، وارتفعت نسبة العمالة الزراعية النسائية فى إنتاج الفاكهة الطازجة وحدها من 35% إلى 50% فى الفترة نفسها. كما ساهم الدخول فى منظومة التجارة العادلة فى تطوير مهارات المرأة الإنتاجية؛ إذ تعقد التعاونيات دورات لتدريب النساء على المهارات الإنتاجية وتوليد الدخل.
كما عملت التجارة العادلة على تيسير وصول النساء للتمويل من خلال تعاونيات ومنظمات صغار المنتجين، ففى بنجلاديش على سبيل المثال استطاعت عدة منظمات عاملة فى منظومة التجارة العادلة تخصيص برامج ائتمانية للنساء، مكَّنت البعض من شراء أراضى زراعية، كما نفذت بعض النساء مشروعات تربية دواجن وماعز، أو شراء بقرة حلوب، وبفضل هذه القروض أيضا تمكّن كثير من النساء من الاستمرار فى توفير النفقات الدراسية للأبناء.
أما من حيث مواجهة عمالة الأطفال، فقد نتج عن تحرير التجارة مزيد من الممارسات الضارة التى أفضت إلى تزايد أعداد هذه العمالة، والتى وصلت وفق تقديرات منظمة العمل الدولية- إلى 215 مليون طفل عام 2010م، من بينهم 115 مليون طفل يعملون فى أسوأ الظروف، وتبلغ نسبة الذكور 46%، بينما تبلغ نسبة الإناث 54%.
وتستأثر الزراعة بأغلبية الأطفال العاملين على مستوى العالم؛ إذ يعمل بها ما بين 60: 70% من إجمالى عمالة الأطفال، ويعمل أغلب هؤلاء الأطفال فى ظروف بالغة الخطورة والمشقة؛ إذ يُعانى أكثرهم من زيادة عدد ساعات العمل، والتعامل مع الآلات الحادة الخاصة بالحصاد والحرث، إضافة إلى التعرض للتسمم والأمراض الجلدية نتيجة رش المبيدات الكيماوية، ويُجبَر البعض على حمل أوزان ثقيلة لمسافات طويلة.
فعلى سبيل المثال: يجبَر الأطفال دون العاشرة فى مزارع الموز بالإكوادور، على حمل ما يزيد على 50 كيلو جراما من الموز من المزارع إلى أماكن التجميع، التى تبعد قرابة كيلو مترين مشيا على الأقدام، وتستغرق الرحلة نحو ساعة، كما يجبر الطفل على تكرار هذه الرحلة عدة مرات يوميا، ويعمل أغلب الأطفال فى الزراعة 16: 17 ساعة يوميا، وبعضهم لا يحصل على راحة طوال العام.
وفى حين يرى البعض أن الحل الأمثل للقضاء على عمالة الأطفال لا يتم إلا من خلال قوانين حظر عمالة الأطفال نهائيا، أو حظر شراء المنتجات التى تقوم على عمالة الأطفال، فإن منظومة التجارة العادلة تنظر إلى مشكلة عمالة الأطفال نظرة واقعية وتضع لها الحلول العملية التى تساهم فى ترشيدها والحد من مخاطرها؛ إذ تميز بين معاونة الأطفال الطوعية لعائلاتهم فى العمل الزراعى من جهة، وبين عمالة الأطفال بالإكراه والسخرة من جهة أخرى.
فنظرا إلى أن مشاركة الأطفال فى العمل الزراعى تعد سمة أساسية فى الكثير من المجتمعات الفقيرة؛ إذ يعاون الأطفال عائلاتهم طوعا فى العمل الزراعى، فإن التجارة العادلة تعترف بعدم إمكانية حظر هذا النوع من العمل نهائيا، ولكن تتخذ تدابير للقضاء على أسبابه، والتى تتمثل فى الفقر الذى يجبر الآباء على الاستعانة بأبنائهم فى الأعمال الزراعية، ونقص المدارس وبُعدها عن المناطق النائية، وارتفاع تكاليف الدراسة، وقلة الوعى لدى الآباء فى المجتمعات النامية، ومن هنا فإن ما تقدمه التجارة العادلة من فوائد اقتصادية سيؤدى إلى تخفيض ظاهرة عمالة الأطفال الطوعية على المدى الطويل.
كما تحرص منظومة التجارة العادلة على الالتزام بمعايير تضمن حماية الأطفال فى بيئة العمل، وبشرط ألا تؤدى مشاركة الطفل فى العمل إلى حرمانه من التعليم أو من حقه فى اللعب والترفيه، أو تنتقص من أمنه أو تضر بصحته.
أما من حيث العمالة الجبرية، فإن منظومة التجارة العادلة تواجهها بالعديد من السبل، من بينها: مراقبة التزام المنظمات بالمعايير الخاصة بعمالة الأطفال، وتوعية المستهلكين، إضافة إلى تعزيز الشراكات والجهود المجتمعية.
وبالفعل تم إيقاف العديد من المنتجين فى قطاع الكاكاو فى غانا وساحل العاج من الذين ثبت استغلالهم الأطفال، وقد سحبت المنظمة الدولية لاعتماد منتجات التجارة العادلة (FLO) العديد من تراخيص اعتماد المنتجين المتورطين بالاتجار فى الأطفال وإساءة استغلالهم أو تشغيلهم فى ظروف شاقة لا تتفق مع معايير الاعتماد.
كما أسهمت العديد من المنظمات الدولية فى توعية المستهلكين؛ فعلى سبيل المثال: أطلقت منظمة (أوكسفام) حملة بعنوان «نحو شيكولاتة خالية من عمالة الأطفال»، وذكرت من مبررات الحملة أن تحرير التجارة فى قطاع الكاكاو، دفع لإغراق السوق الأوروبية بحبوب الكاكاو التى تزرع فى غرب إفريقيا على حساب استغلال الأطفال، وأطلقت أوكسفام على هذه التجارة اسم «جارة العبيد»، وأكدت أنه فى حين أن الشيكولاتة تمثل مصدر سعادة لكثير من الأطفال والبالغين فى العالم؛ فإنها تعد مصدر شقاء وعبودية لكثير من الأطفال فى دول العالم الثالث.
فإذا كان للتجارة العادلة كل هذه الآثار الإيجابية، فما هو موقف الإسلام منها، وكيف اهتم الفكر الإسلامى بتحقيق العدالة التجارية؟، هذا ما نبينه فى الحلقة القادمة إن شاء الله.
 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق