الثلاثاء، 12 مارس، 2013

«فقر العولمة».. كتاب يكشف هيمنة الدول الكبرى لإفقار الصغرى


جريدة الشعب
عدد34
 
فى الوقت الذى جمعت فيه الدول الغنية ثرواتها عن طريق حماية صناعاتها التحويلية فى مهدها، ورعايتها حتى اشتد عودها فازدادت ثراء، مُنِعت الدول الفقيرة من حماية صناعاتها الناشئة فازدادت فقرا.
هذه هى الفكرة الرئيسية التى سعى إلى إيضاحها الكاتب والمفكر الاقتصادى النرويجى «إيريك س. رينيرت» فى كتاب صدر مؤخرا عن جمعية نوافذ للترجمة والتنمية والحوار، بالتعاون مع مؤسسة نورلا النرويجية، جاء بعنوان «فقر العولمة.. الفقراء يزدادون فقرًا والأثرياء يزدادون ثراءً»، وترجمه عن النرويجية «محمد محجوب». وتأتى الترجمة العربية للكتاب بعد ترجمته إلى أكثر من 20 لغة حول العالم.
يؤكد رينيرت أن التنمية الاقتصادية فى الدول الغنية كانت بفضل توجه البلاد نحو التصنيع مباشرة، مع دعم الصناعات الناشئة وتقديم الإعانات المباشرة وتيسير الحصول على براءات الاختراع، ولعبت الحماية دورا هاما فى اقتصاديات هذه البلدان حتى فى زمن العولمة، فى حين أن الدول الفقيرة أجبرتها العولمة على إلغاء الإعانات المقدمة للصناعات الناشئة، واضطرتها إلى إلغاء الحماية.
ويعتبر رينيرت الحماية أمرا ضروريا لتحقيق عوائد متنامية وللوصول إلى التكنولوجيات الجديدة، وهو بذلك يسير عكس تيار العولمة الذى يرى الحماية عائقا أمام حركة التجارة الدولية.
ويلفت رينيرت الانتباه إلى توقيت انفتاح الدول الفقيرة على الخارج، باعتباره أمرا بالغ الأهمية؛ ففتح الأسواق للمنافسة الدولية مبكرا يفضى إلى تدهور التصنيع وانخفاض الأجور وزيادة المشكلات الاجتماعية، كما حدث فى منغوليا وبيرو، كما ينتقد نظرية ديفيد ريكاردو عن الميزة النسبية فى التجارة الدولية التى يعتمد فيها على افتراضات مجردة تجعل الدولة الفقيرة متخصصة بالفقر؛ فالولايات المتحدة -وفق هذه النظرية- يجب أن تمتلك تكنولوجيات متطورة فيما يجب أن تظل منغوليا متخصصة برعى الأغنام!.
ويوضح رينيرت أن انضمام الدول الفقيرة إلى نادى الدول الغنية أصبح اليوم أصعب من ذى قبل؛ وذلك لافتقارها إلى صناعة تكنولوجيا المعلومات، التى تخلق منافسة غير كاملة وتمنح العاملين أجورا مرتفعة على عكس باقى الصناعات التقليدية. أضف إلى ذلك دور حقوق الملكية الفكرية التى توسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء؛ إذ تحصل الدول الغنية على نسبة هائلة من حقوق الطبع والنشر والعلامات التجارية وبراءات الاختراع، كصناعة الأدوية على سبيل المثال.
وينصح رينيرت الدول الفقيرة بانتهاج سياسة تصنيع وطنية توفر لمواطنيها فرص العمل وتستوعب المهارات وخريجى الجامعات بدلا من هجرة العقول إلى الخارج؛ فعلى سبيل المثال، يمارس 82% من أطباء جامايكا عملهم خارج البلاد، كما يعمل 70% من خريجى الجامعات فى جوايانا خارجها، وتعيش الدولتان على تحويلات المواطنين بدلا من الاستثمار والصناعة. ويؤكد رينيرت أن عدم الكفاءة فى الصناعة أفضل من عدم وجود صناعة على الإطلاق.
ويحذر رينيرت الدول الفقيرة من أكاذيب البنك الدولى وصندوق النقد الدولى وغيرهما من المؤسسات الدولية التى تبشر الدول النامية بالمستقبل الواعد فى ظل الانفتاح على الواردات من السلع وتدفق رأس المال، مع وعود كاذبة بالقدرة على المنافسة ومرونة الأسواق واتساعها. ويضيف أن تريليونات الدولارات المتدفقة على الدول النامية فى شكل إعانات وقروض منذ عام 1950، لم تنجح فى انتشال هذه الدول من الفقر، بل على العكس؛ كانت وسيلة للسيطرة والهيمنة واستمرار تبعية الفقراء للأغنياء.
والأفكار التى يناقشها الكتاب، استخدمها من قبل عدد من زعماء بعض الدول فى عدة فترات من التاريخ، وسببت الرخاء فى بلادها. على سبيل المثال لا الحصر، فترة والى مصر محمد على وبداية الدولة الحديثة 1805 - 1840، وكذلك فترة جمال عبد الناصر 1952 - 1970. كما تبنت هذه الأفكار أيضا بعض أحزاب اليمين المتطرف لتُبنى عليها الدول الفاشية. وعلى الجانب الآخر نجد أن اليسار المتطرف بنى عليها أفكاره الماركسية، كما اعتمدت عليها، وبأسلوب أكثر ديمقراطية، السياسة الصناعية الأمريكية، بل وظلت على المسار نفسه إلى وقت ليس ببعيد.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق